العدد 6489
الثلاثاء 21 يوليو 2026
الابتعاث والأفكار
الثلاثاء 21 يوليو 2026

في أكتوبر من العام 1944م ابتُعِثَ ثلاثة طلاب بحرينيين إلى القاهرة للدراسة الجامعية. بعد 13 شهرا فقط، عاد اثنان منهم، وهم يعتنقون أفكار جماعة تُسمَّى حركة الأنصار. استعلَمَت الحكومة عن هذه الحركة فجاء التقييم مؤرخا في ديسمبر 1946م بأن هذا التنظيم هو تنظيم سري، إلى الحد الذي لا يعرف فيه منتسبوه بعضهم بعضا إلا بمقدار.
وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي، ذهب طلابٌ بحرينيون إلى بيروت للدراسة الجامعية. قبل ذلك، وفي العام 1947م تحديدا، كان ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار قد أسَّسا حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا. تأثر الطلاب البحرينيون المُبتَعَثون إلى بيروت بالبعث، فجاؤوا بأفكاره إلى بلادهم. حصل مثل ذلك أيضا مع اليساريين والقوميين. كان الابتعاث في تلك الفترة قناة التسييس الأولى، ودخول الأفكار الإسلامية والقومية واليسارية إلى البحرين وعموم الخليج العربي. الأهم في الأمر، أن ذلك التسييس لم يبدأ تأثيره من أبناء الطبقة الفقيرة، بل عبر أبناء النخبتين السياسية والتجارية، إذْ كانتا الأقدر على إرسال أبنائهما إلى الخارج، حيث صُدِموا بواقع مختلف فيه جاليات، وسِجالات، وأحزاب، وصحف. لم تكن البحرين حالة فريدة من ذلك المشهد، إذْ تأثر أبناء الأمصار العربية الأخرى بنظام الابتعاث كذلك منذ ما قبل القرن الماضي، بل جميع دول العالَم شرقا وغربا، فقد تأثر الطلاب الروس في زيورخ بالاشتراكية والأناركية، ثم أثَّر الكومنترن على عموم الغرب، وتأثر الأميركيون في ألمانيا بنقد الليبرالية الاقتصادية، وتأثر الطلاب الهنود في بريطانيا بالأفكار الليبرالية والاشتراكية لهارولد لاسكي، وقبلهم اليابانيون في أميركا خلال عصر ميجي.
لقد كان الابتعاث اختراقا للعوالِم الخاصة للمجتمعات التي كانت تعتقد بأن أنظمتها الفكرية هي الشكل الوحيد لتسيير شؤون الحياة.  

لكن مع ذهاب مئات الآلاف من الطلاب إلى الخارج تغير كل شيء، حين وجدوا سوقا للأفكار يُمكن أن يشتريها الجميع ودون كوابح، وباتت المهمة ما يلي ذلك، لأن منع التأثير مُحال، وهو كمن يريد أن يصد العاصفة بغربال.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .