العدد 6132
الثلاثاء 29 يوليو 2025
ترنيمة الأمل
الثلاثاء 29 يوليو 2025

بين النظرة الواقعية والنظرة الخيالية، تنعقد الكثير من المقارنات، وتكون الفجوة شاسعة وواضحة في بيان الفروقات والاختلافات التي تمثل كل لون وصنف من هذه الصنوف على حدة.

الشخص الواقعي، يعيش الحياة بكل تفاصيلها، ويستخدم ميزان العقل والمنطق في الحكم على الأمور، ويتعامل مع الأشياء بشكل عملي ومباشر وصريح، فيما الشخص الخيالي يستطيع أن يبني له حياة غير حياة هذه الأرض التي نعيش، وتكون الأحلام بشكل عام، وأحلام اليقظة بشكل خاص، ثيمة ملازمة لهذا النوع من الشخصيات، يسافر ويتأمل ويفكر ويؤلف القصص ويعمل أي شيء يخطر على باله، وهو سارح غير مبارح مكانه.

لسنا بصدد توضيح الأفضلية بين الواقعي والخيالي، الأول يرى الحياة من خلال ما هو كائن، والثاني قد يرى الحياة بأكثر من صورة ومنظور، ويتطلع دائماً إلى ما سيكون، لكن في مقابل كل ذلك، يراودني السؤال التالي: أين يمكن أن نصنف “الأمل” بين الشخصيتين، وهل هي صفة يمكن أن تكون مشتركة بين الخيالي والواقعي؟!

بقدر ما نشاهد ونسمع، على المستوى الدولي، من صراعات وحروب، ومآسٍ كثيرة في حق الإنسان، من تجويع وتشريد ودمار وجرائم يندى لها الجبين من عظم قسوتها وبشاعتها، وعلى رغم ما يعتري الإنسان، على المستوى الشخصي، من انتكاسات ونكبات، مثل المرض أو التجارة أو علاقات العائلة وغيرها، يبقى هناك بصيص من الأمل يُحيي في الإنسان الشعور بوجوده، والحث على المزيد من الخطوات للتقدم إلى الأمام، والدافعية الكبيرة لعدم الاستسلام “ما أضيق العيش لولا فسحة الأملِ”.

من جانب موازٍ، أستحضر هذه المقولة في جانبيها الإيجابي والسلبي على السواء “الخدعة التي تهبك الحياة.. خير من الموت بسبب خيبة أمل”، إذ يلجأ البعض إلى استخدام تقنية “الخدعة” أو “الأمل الكاذب”، في سبيل استمرار أكسجين الحياة للوصول إلى الأحلام والرغبات والمساعي التي لم تتحقق بعد، فقد يستخدمها البعض لصالح نفسه، وقد يستخدمها البعض الآخر في حق أشخاص آخرين، وهنا يجب أن نحذر من هؤلاء الذين يوظفون “الأمل” من أجل تسيير مصالحهم والطبطبة على هؤلاء الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة، أملاً في الحصول على آمالهم عن طريق اللعب على مشاعرهم.

أعتقد جازماً، أن الواقعي والخيالي، بحاجة إلى أنهار من الأمل، للعيش في ظل هذه الحياة المعقدة بالتناقضات، والمليئة بالمتغيرات السلبية التي تنعكس على الأشخاص والمجتمعات، فهذا ينتظر وظيفة لولده، وذاك يأمل الإفراج عن أخيه من الأسر، وآخر يترقب عودة صديقه المسافر. ختاماً، أستذكر ما جاءت به فيروز من عنوان لافت بمعانٍ ودلالات كبيرة “إيه في أمل”، وأستعين بـ (ترنيمة الإيمان) من كلمات الأخوين رحباني التي تقول فيها فيروز “كلّي إيمان.. أؤمِنُ أنْ خلف الحبات الوادعات.. تزهو جنات، أؤمِنُ أنْ خلف الليل العاتي الأمواج.. يعلو سراج”. دمتم تترنمون بالأمل.

 

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية