مع بداية شهر محرم الحرام، تعود بنا الذاكرة إلى واقعة تاريخية، لتعميق مفاهيم كبيرة مثل العدالة والإنسانية ونصرة الحق، واقعة الطف أو معركة كربلاء التي حدثت بين جيش الإمام الحسين بن علي “ع” وجيش عمر بن سعد سنة 61 هجرية، ونرى ترجمة إحيائها عبر الطقوس والشعائر الدينية التي تقام تخليدًا لذكراها.
انتصر الدم على السيف، وصار صوت الضمير الإنساني يحلل ما شهدته هذه الواقعة بكل تفاصيلها، بما تحمل من معانٍ كبيرة في التضحية والحق والحرية، وهي لو تأملنا، معانٍ عالمية وإنسانية لا تخص طائفة أو جماعة لوحدها، بل تمتد إلى عقول تميز بين الحق والباطل، وتنتصر لمبدأ نشر الإصلاح في هذه الأمة، مقابل استنكارها مظاهر البطش والعنف الذي يُودي بهذه الأمة إلى المهالك. مثال بارز رصدته عين الواقع وعدسة المصورين في مملكة البحرين، ووثق له رجال ثقاة دونوا التاريخ ونقلوه على ألسنتهم، وهو ما شهدته البحرين من تعميق لفكرة التسامح والتعايش بين الأديان والمذاهب على مر السنين، وتحديدًا مشاركة أبناء السنة والشيعة مظاهر إحياء عاشوراء الحسين، خصوصًا فترة الخمسينيات والفترات اللاحقة والمتعاقبة، في فرجان المحرق ومناطق متفرقة من البحرين، وكذلك التبرع بـ “عيش الحسين” وهو الحرص على تجربة الطعام الذي يتم طبخه بهذه المناسبة، الأمر الذي يؤكد أن أبناء البحرين لا تفرقهم المذاهب ولا الطوائف، وأنهم دائمًا على قلب واحد تجمعهم هذه الأرض الطيبة.
الحسين “ع” استُشهد يوم العاشر من محرم، لكنه ترك كنزًا من المبادئ التي خلفها إرثًا تتناقله الأجيال، ترك جملة من التضحيات في سبيل تأصيل المبادئ التي جاء بها، عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الحسين “ع” تلخيصًا لهذه الواقعة “وإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله وسلم”، وهذه العبارة كفيلة ببيان البواعث والأهداف التي قامت عليها ثورة الإمام الحسين “ع”.
أكثر من ألف سنة مرت على هذه الواقعة، وما زالت جموع مليونية في هذا العالم الكبير تحيي ذكرى ثورة كربلاء، وهذا ما يؤكد أن الحسين “ع” للجميع، قيمة روحية وأخلاقية يهتدي بها المهتدون، ودرس من دروس التضحية، تتجدد هذه الذكرى بأشكالٍ عديدة من الوعظ والحزن والبكاء، تعبيرًا عن الاعتراض على الظلم، ووسيلةً للوصول إلى جوهر الضمير الإنساني الذي لابد أن يقتحم ويتغلغل تفاصيل هذا العالم، “كل يوم عاشوراء، وكل أرضٍ كربلاء”.