العدد 6118
الثلاثاء 15 يوليو 2025
جدران العزلة
الثلاثاء 15 يوليو 2025

 كثيرون يتخذون من الابتعاد وسيلة لمعرفة درجة معزتهم لدى الآخرين، وهناك من يتعمد التجاهل بغرض قياس درجة “غلاه” ودرجة اهتمام الآخر به، فئة أخرى تلجأ إلى استخدام حيلة البرود المفاجئ فيظل الشخص في الجهة المقابلة يسأل عن هذا التغيير ويحاول إيجاد إجابات مُقنعة لمثل هذا التصرف، فيما ينتهج آخرون أسلوب الضغط المباشر والمستفز أحيانًا ليظهر نتيجة واحدة هي مدى ردة الفعل التي تصاحب هذا الغضب والغليان.
يلجأ معظم الناس إلى استخدام مثل هذه الأساليب، مرة بقصد التجربة ومرة بقصد الحاجة، للوصول إلى نتيجة وهدف، وربما يكون هذا الاستخدام على المستوى العائلي والاجتماعي في المنزل، أو بين الأصدقاء، أو إداريًّا في المكاتب الوظيفية وأروقة المصانع، نحن في النهاية أسرى لردود الأفعال، حتى مع كوننا نعلم بما يجري حولنا، وما نواجه من تقنيات نفسية يرتبها لنا بعض الأشخاص، بغرض حميد أو لأغراض شريرة، تبقى ردود الأفعال شاهدة على تصرفاتنا والحكم عليها، إذ لا نستطيع أن ننفك عن مصيدة التقييم، خصوصًا إذا كان الطرف الآخر صاحب سلطة أعلى.
قد تكون هذه الوسائل أداة من أدوات استنزاف الطاقة في حال فاقت حدود الاستخدام المعقول، وتصبح حينها الفئة المستهدفة معذورة إذا ما خرجت عن إطارها المعتاد في التعامل، إذا هناك من يتجاهل ويراقب، هناك من يبتعد وينسحب ببرود، وهناك من يفتعل الغضب، وربما هناك من يرفع من مستوى جدّيته في التعامل ويقلل من ابتسامته الجميلة المعهودة إلى درجة فقدانها في بعض الأحيان.
وقد تكون هذه الوسائل أداة مقابلة لهدم جدران العزلة، كما يقول “سارتر”: في بعض الأحيان يجب أن تبني من حولك جدارًا للعزلة، لا لتبعد الناس عنك، بل لترى من سيهدم الجدار لكي يراك.
أعتقد أن هناك فئة كبيرة تحاول جاهدة وبشتى الطرق أن تهدم الجدران التي أمامها “لكي ترى الابتسامة المفقودة”؛ لما للعلاقات الإنسانية من أثر ومن روابط تاريخية، ولما للعلاقات من ودٍّ يتخطى حدود الصداقات ويمتد إلى الأخوة. نهدم جدران “سارتر” التي يفتعلها بعض “الأعزاء”، كي نبني صروحًا من القلاع المتينة التي تعبر عن عمق المحبة والتلاقي الروحي وطول العشرة، ونؤكد على تمسكنا بمن نحب ومن عرفناهم في السراء والضراء، بحضورهم الذي لا يحتاج إلى أدنى اختبار مفتعل ليبين مدى صدقهم.
عزيزي القارئ، أرجوك اقترب مني قليلًا، إلى جانب من نحرص على بناء القلاع الحصينة لهم ومعهم، كونهم جواهر ثمينة يجب أن نحافظ عليها، هناك في المقابل، من يستحقون هدم البنيان على رؤوسهم، لأنهم ينكرون اللحظات الجميلة التي امتدت معهم، ولا يقدرون قيمة الأوقات التي استغرقناها من أجلهم، ربما نصِف بعضهم بجماعة المصلحة المؤقتة، يبتعدون وكأن الصداقات تنتهي بانتهاء المصالح، يهدينا ويهديهم الله.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية