العدد 6496
الثلاثاء 28 يوليو 2026
الطبعة 1925م… يوم ثار البحر على سفن الغوص وبقيت الذكرى
الثلاثاء 28 يوليو 2026

في تاريخ الأمم أحداثٌ لا تُقاس بسنواتها، بل بما خلّفته من أثرٍ عميق في ذاكرة الشعوب. ولأهل الخليج تبقى «الطبعة» واحدةً من أعظم الكوارث البحرية التي عرفها تاريخهم الحديث؛ مأساةٌ لم تقتصر على غرق السفن، بل ابتلعت آلاف الأحلام، وتركت الحزن يخيم على البيوت، حتى أصبحت علامةً فارقة في الذاكرة الشعبية، يُستحضر ذكرها كلما ذُكر البحر والغوص واللؤلؤ.

وفي الثاني من أكتوبر عام 1925م، الموافق 1344هـ، وقبل بزوغ الفجر بقليل، كما تذكر بعض المصادر، كانت سفن الغوص قد أنهت موسمًا شاقًا في هيرات اللؤلؤ، واستعدت للعودة إلى أوطانها بعد أشهرٍ من الكد والتعب. وكانت السفن متقاربةً ومتلاصقةً في عرض البحر، والبحارة يترقبون لحظة اللقاء بأهليهم، ولم يكن أحدٌ منهم يعلم أن تلك الساعات ستكون الأخيرة لكثيرٍ من رفاق البحر.

فالبحر لا يعرف عهدًا ولا وعدًا؛ يهب الخير أعوامًا، ثم يثور في ساعةٍ واحدة، فيغيّر مصائر الرجال، ويكتب بمداده المالح صفحاتٍ من الألم لا تنساها الذاكرة.

ولعل هذه الحقيقة هي التي صاغ منها أهل الخليج إحدى حكمهم الشعبية الخالدة، فقالوا: «ويش لك بالبحر وأهواله، ورزق الله على السيف.» وهو مثلٌ تختزل كلماته تجربة أجيالٍ عاشت مع البحر، وعرفت خيره وخطره. فـ «السيف» في لهجة أهل الخليج هو شاطئ البحر، ويقصد بالمثل أن السلامة والرزق القريب خيرٌ من المجازفة في بحرٍ لا يؤمن جانبه، وإن ظل البحر، على قسوته، مصدر الرزق الأول لآلاف الأسر الخليجية عبر عقودٍ طويلة.

وفجأةً تبدلت السماء، وهبّت رياحٌ عاتية، وارتفعت أمواجٌ هوجاء قلبت سفن الغوص وأغرقت كثيرًا منها، وتفرّق البحارة في عرض البحر يصارعون الأمواج، وغرق الآلاف، ولم ينجُ إلا القليل. ولم تفرّق تلك العاصفة بين سفينةٍ وأخرى، ولا بين شابٍ وشيخ، فتحولت رحلة العودة إلى مأساةٍ إنسانية هزّت الخليج بأسره، وخلفت آلاف الأرامل والأيتام والثكالى.

وتشير أغلب المصادر التاريخية إلى أن عدد ضحايا «الطبعة» تجاوز ثمانية آلاف من البحارة والغواصين، من البحرين والكويت وقطر وسواحل الأحساء والإمارات وعُمان، لتُسجَّل بذلك واحدةً من أكبر الكوارث البحرية في تاريخ منطقة الخليج العربي.

ولم تكن «الطبعة» مجرد حادثةٍ بحرية عابرة، بل أصبحت منعطفًا تاريخيًا في ذاكرة أهل الخليج، حتى إن الناس ظلوا يؤرخون لبعض الأحداث بقولهم: «قبل الطبعة» و*«بعد الطبعة»*، لما تركته من أثرٍ بالغ في النفوس، وما أحدثته من تغيراتٍ اجتماعية واقتصادية امتدت آثارها سنواتٍ طويلة.

ورغم قسوة الفاجعة، فقد تجلت أسمى صور التكافل بين أبناء الخليج، فسارع الناس إلى مواساة المنكوبين، وكفالة الأرامل والأيتام، وتقاسم ما لديهم من رزق، في صورةٍ مشرقة من التراحم والتضامن الذي عُرف به المجتمع الخليجي.

وبعد مرور قرنٍ على تلك الكارثة، ما زالت «الطبعة» حاضرةً في الذاكرة الخليجية، تتناقلها الروايات والقصائد والوثائق، لا لاستحضار الحزن وحده، بل لتخليد تضحيات رجال البحر الذين خرجوا طلبًا للرزق، فعاد كثيرٌ منهم شهداء للبحر، وبقيت سيرتهم جزءًا من تاريخ الخليج وتراثه.

رحم الله شهداء البحر، وجعلهم في واسع رحمته، وحفظ الله الخليج وأهله من كل سوء، وأدام عليهم نعمة الأمن والسلام، لتبقى هذه الفاجعة درسًا خالدًا في الصبر والإيمان، وشاهدًا على ما تحمله الأجيال السابقة من شجاعةٍ وتضحيةٍ في سبيل طلب الرزق الكريم.


المراجع

* تشارلز بلجريف، مذكرات بلجريف.
* ج. ج. لوريمر، دليل الخليج.
* سيف مرزوق الشملان، تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي.
* عباس محمد فاضل الموسوي، الطبعة: أكبر كارثة بحرية في تاريخ الخليج العربي.
* الروايات الشفوية المتداولة لدى نواخذة الغوص وأهالي الخليج .


هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .