ما أكثر الذين نصادفهم في ممرات هذه الحياة، تجمعنا بهم الأقدار كيفما شاء لها الرحمن أن تكون، البعض يمر مرور السحاب، والبعض منهم يترك بصمته التي تبقي فينا أثرا لا يُمحى، ويكون مرور السحاب لحظتها مُزنا مثقلا بالمطر، يهطل علينا بزادٍ وفير، ويغمرنا بخيراته الكثيرة. يمضي بنا العمر، ونستطيع أن ندرك ونميز من يريد لنا أن نكون أفضل، ويدعو لنا بظهر الغيب؛ فهي أوشك دعوة وأسرع إجابة عندما يدعو المرء لأخيه بظهر الغيب كما جاء في رواية عن الإمام محمد الباقر، عليه السلام، وهنا نكون أمام إحدى الهدايا الخفية التي يقدمها لنا الآخرون بكل صدق وقلب سليم.
تصادف في حياتك أشخاصا على درجة كبيرة من الشفافية، يتحلّون بروح جميلة وخصال عالية الأخلاق، يصورهم الشاعر في كلماته الصوفية، كما يحب أن يراهم “كن خفيف الظل سهلا.. طيبا عذبا زلالا.. أنت من طينٍ وماءٍ فعلامَ تتعالى؟”. هؤلاء متواضعون جدا وأعتقد بأنهم ممن يذكرون الله تعالى كثيرا، فتجد هداياهم الخفية محسوسة وربما ملموسة في كل مكان يحيطون معالمه.
هؤلاء يقدمون الخير دون إفصاح، لكنك ربما تشعر بمَداراتهم من خلال مستوى الطاقة الإيجابية الخفية التي ينشرونها في المكان، فقد تصادفهم في سفر أو في أي مكان يكون لك النصيب بالتزود مما يعطونه. من الهدايا الخفية أيضا، تلك التي تأتيك على هيئة دروس ليست مجانية، كان بطلها صديق أو أخ كبير أو أحد المعارف، ينقل لك تجاربه المتوالية المباشرة وغير المباشرة، على طبقٍ من تضحيات وخسارات وتعثر وأخطاء، وعلى طبقٍ من نجاحات ومبادئ في أحيان أخرى.
نحن ندين لهؤلاء الأشخاص الذين ينجحون أمامنا بصدق، ويفشلون أمامنا بصدق أكبر، نتعلم منهم ما نحتت منهم أعمارهم وما امتلكوه من رصيد كافٍ ليضيفوه إلى طريق الحد من الخسارات، ويقدموه هدية لأشخاص آخرين.
عزيزي القارئ، من الهدايا الخفية التي تمنحنا إياها الأيام، بعض الكوارث والمصائب التي تعترينا، ونتوقع لوهلة عدم الفكاك منها، وعدم القدرة على تخطيها أو حلها، لكننا في الواقع نكتشف لاحقا أنها رصاصة رحمة انطلقت من البندقية ودمرت ما يمكن تدميره، مع بقاء الجسد حيا يتعافى ولو بعد حين، لندرك أنها المنعطف الذي حولنا إلى طريق أفضل، كانت المنحدرات والاعوجاجات والمطبات وجهته، وأصبحت الطريق المعبدة السهلة اليسيرة مسلكه، تلك هدايا خفية يرسلها لنا من يفيض بالبركات ويريد الخير للعالمين على الدوام.