نتجوّل في الفرجان القديمة ذات العبق التراثي، بين الجدران الطينية نبحث عن ذاكرة ملأها الأجداد والآباء بفيض عطائهم لهذه الأرض الطيبة، بيوت بنتها أيدٍ طاهرة غرست فينا من خيرها وطاقتها النقية، باركت من حولها بنية بيضاء، أيادٍ كريمة وقلوب عظيمة أحاطتنا بالإيمان والمحبة وبطمأنينة ينشرونها في أرجاء المكان، تلهج ألسنتهم بالتسبيح والتهليل في مؤشر واضح على التعلق بخالق هذا الكون العظيم.
نتجوّل في هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان المبارك، نبحث عن المجالس الرمضانية التي يُتلى فيها القرآن الكريم، في شهر هو خير الشهور، وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، نعيش في ليالٍ مباركة تحفها التجمعات الأخوية التي تعادل في ميزانها الكثير، لما لها من فوائد شخصية ومجتمعية تسود فيها الألفة ويعمّ فيها الودّ. تزدان المجالس في شهر رمضان الكريم بمرتاديها، من الأهل والأصدقاء والمعارف القريبة والبعيدة، سواء في المناطق والقرى القديمة أو في الأحياء الحديثة، في محيط يأخذ الطابع الاجتماعي عن طريق التواصل والتزاور، وتكون مملكة البحرين في مثل هذه المناسبات مثالاً لتجسيد أسمى صور التآخي والترابط وتجسير الفجوات التي قد تسببها الانشغالات الكثيرة للعديد من الأشخاص.
بين المجالس القديمة والحديثة تكمن الكثير من الحكايات، ففي الأولى كانت المواضيع المتداولة تتمثل في الصيد والزراعة والحياة البسيطة الخالية من التعقيدات، وفي الثانية لك أن تتخيل حجم الغزو الإلكتروني وتأثيره على حياة المرتادين وما يمكن أن يسردونه من أحاديث، عن أحدث الأجهزة وعن الاقتصاد وأسباب العجوزات المالية وزيادة معدل الجريمة وما إلى ذلك.
لكن، مع كل هذا التباين بين الزمنين، تبقى العادات البحرينية الأصيلة في مجالسنا.
احترام الصغير للكبير، وطرح المواضيع التي لا تعكر صفو الحضور، بل تجمعهم في إطار مشترك، وكذلك الاستفادة من ثقافة المرتادين الذين يأسرونك بلباقتهم وكياستهم وحكمتهم، فنتعلم من المجالس أعظم الدروس، كيف نتحدث، ومتى يجب علينا ألا نقاطع الطرف الآخر، ومتى نوضح لبسًا ما بطريقة مهذبة، وإذا استدعتنا الحاجة للاسترسال نزن كلماتنا ونبرة صوتنا وهيئة جلوسنا وطريقة حركاتنا، كل هذا تعلمنا إياه المجالس في حضرة الصغار والكبار، بالإضافة إلى كرم الضيافة الذي يتمتع به أصحاب المجالس.
ربما يتغير البنيان، وتتغير المواقع، وتزداد الزخارف، لكن أصالتنا التي عاشها الأجداد ولاحظناها وشاهدناها في الآباء، لا تتغير، فبالعودة إلى الماضي، فإننا لا نستهين أبدًا بالمجالس الصغيرة التي احتضنت عوائل كبيرة، بشيوخ دينها ونواخذتها ورجالاتها، تلك مجالس جمعت الناس على الفضيلة والأخلاق وخرّجت أجيالًا يعتمد عليها، وبالرجوع إلى الحاضر، فلا نستهين أبدًا بالعقول الكبيرة التي درست في أرقى الجامعات وعملت في أرقى المكاتب وغمرت البحرين بإنتاجيتها الغزيرة، الأصالة توحدهما وتجعل منهما عاملًا مشتركًا بين زمنين.
كاتب بحريني