تحت هذا العنوان كنت قد أعددت عددا من النقاط لكتابة مقال يُنشر في “اليوم العالمي للمرأة” الذي يصادف الثامن من مارس من كل عام، لكنني لا أعرف كيف جرفتني الأيام وتأخر النشر حتى هذا الوقت. غير أن ما تأخر لا يسقط بالتقادم، وما لم يُكتب في حينه، قد يُكتب في أوانه الأعمق. فحضور المرأة لا يقتصر على يوم، بل هي حاضرة في كل وقت، وفي قلب كل تحول. إنها، كما وصفها نابليون بونابرت، من “تهزّ المهد بيسارها… وتهزّ العالم بيمينها”. وما تزال عبارته الشهيرة “فتّش عن المرأة”، أي فتش عن المرأة ستجدها في كل مكان بمعناها الإيجابي، وما تزال هذه العبارة صالحة لفهم كثير من مفاصل التاريخ.
وفي التاريخ، لا تحدث التحولات الكبرى دائمًا من فوق منصات السياسة أو من قلب المعارك. أحيانًا، تُصنع القرارات المصيرية في لحظات خاصة، تبدو في ظاهرها شديدة الخصوصية، لكنها في باطنها تمهّد لانعطافات حادة في مصير الشعوب والمذاهب والدول.
في هذا المقال، سنتوقف أمام امرأتين كان لكل منهما، بصورة أو بأخرى، دور حاسم في تحولات مذهبية كبرى غيّرت مسار دول بأكملها: إنجلترا التي تخلّت عن الكاثوليكية، وإيران التي تحولت من السنّة إلى التشيّع.
البداية مع كاثرين أراغون، الزوجة الأولى للملك الإنجليزي هنري الثامن، التي لم تُرزق منه بولد ذكر؛ ما أثار قلق الملك على مستقبل العرش، ودفعه إلى التطلع للزواج من أخرى. وقع اختياره على إحدى وصيفات البلاط، الشابة ذات الحضور الآسر آن بولين، لكن العقبة الكبرى كانت كامنة في طبيعة الزواج الكاثوليكي الذي لا يقرّ الطلاق إلا بشروط نادرة جدًا، تتطلب، في هذه الحالة بالذات، موافقة البابا.
سعى هنري جاهدًا لإقناع البابا كليمنت السابع بإبطال زواجه من كاثرين، بحجة أنها كانت زوجة أخيه الراحل، وأن زواجه منها لم يكن شرعيًا. لكن البابا، المحكوم آنذاك بضغط سياسي من الملك الإسباني شارل الخامس (ابن أخت كاثرين)، رفض الرضوخ لرغبة هنري. وهكذا نشأت “المعضلة الكبرى”.
عندها قرر هنري الثامن اتخاذ قرار مصيري: قطع العلاقة نهائيا مع الكنيسة الكاثوليكية في روما، وردا على ذلك أصدر البابا مرسوما بطرد هنري من العقيدة المسيحية واعتباره مرتدا.
وفي العام 1534، أقر البرلمان الإنجليزي ما عُرف بـ “قانون السيادة”، الذي نص على أن ملك إنجلترا هو “الرأس الأعلى الوحيد لكنيسة إنجلترا”، وليس البابا، وأن لا سلطة تعلو سلطته سوى سلطة الله، وينطبق هذا القانون على كل الملوك الإنجليز اللاحقين.
تبع ذلك إصدار “قانون الخيانة” الذي وضعه الوزير الأول توماس كرومويل، والذي جعل من مجرد التشكيك بقرارات الملك أو انتقاد زواجه الجديد، جريمة خيانة عظمى تستوجب العقاب.
وهكذا تمكن هنري من الزواج بآن بولين، وأعلن إنجلترا دولة بروتستانتية. وكانت هذه المرأة وهذا الطلاق نقطة الانطلاق لقرن من التحولات المذهبية العنيفة التي أعادت تشكيل الخريطة الدينية لأوروبا.
المرأة الثانية التي نقف عندها في هذا المقال كانت زوجة سلطان أيضًا، وحبّه لها كان كفيلًا بأن يبدّل مسار التاريخ المذهبي لإيران. كانت زوجة السلطان محمد خدابنده، أحد حكام الدولة الإيلخانية المغولية التي حكمت إيران بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي.
في لحظة غضب، طلق السلطان زوجته المحبوبة بالثلاث مرة واحدة، لكنه ما لبث أن ندم أشد الندم. أراد أن يعيدها إلى عصمته، غير أن فقهاء المذاهب السنية الأربعة أفتوا بأن الطلاق واقع، وأنه لا يحل له إرجاعها إلا إذا تزوجت رجلًا آخر زواجًا صحيحًا ودخل بها ثم طلقها، وهو ما يُعرف بالعامية بـ “المحلِّل”.
رفض السلطان هذه الفتوى لشدة حبه وغيرته على زوجته، إذ لم يتقبل أن تمس زوجته من قبل رجل غيره، فاستدعى كبار فقهاء مذاهب السنة الأربعة طالبًا منهم إيجاد مخرج، أو حل شرعي، يتيح له العودة إلى زوجته دون أن تخضع لزواج شخص آخر أولًا، إلا أن الفقهاء لم يتمكنوا من الحصول على حل آخر، فالشرع واضح وصريح؛ إن طلاقه صحيح، وأنها تحرم عليه، حتى تنكح زوجًا غيره.
أمام انسداد الأفق، اقترح عليه أحد خاصته أن يلجأ إلى فقهاء المذهب الشيعي لطلب رأي فقهي مغاير. فاستُدعي إلى بلاطه العلامة ابن المطهَّر الحلي، أحد كبار فقهاء الشيعة في ذلك العصر. الذي أفتى بأن الطلاق، حسب المذهب الجعفري (الشيعي)، كان باطلًا من الأساس، وهو في حكم كأن لم يكن، وأن زوجته هي ما تزال على ذمته، ويمكنه أن يعود إليها في أي وقت يشاء؛ فالطلاق، حسب المذهب الجعفري، لا يقع بلا شهود، وأن الطلاق بالثلاث، إذا استجمع الشروط، لا يقع إلا طلاقا واحدًا.
فرح السلطان بالفتوى، وعادت إليه زوجته، وقرر أن يعتنق المذهب الشيعي، وأن يعلن التشيع المذهب الرسمي للدولة، فكانت تلك هي البداية التي بنى عليها، والأساس الذي انطلق منه إسماعيل الصفوي، في القرن السادس عشر، لتحقيق تحول إيران الجذري إلى دولة شيعية، وتكون أحد مراكز التشيع حتى يومنا هذا، بعد أن كانت دولة سنية ومصدر أساس لأهم علماء الإسلام على مدى قرون طويلة، هؤلاء العلماء الذين خرج منهم أكابر الفقهاء ورواد علم الحديث، أئمة كبار من أهل السنة، ما زالت لهم اليد الطولى، إلى الآن، على العلوم الإسلامية والفكر الإسلامي مثل الإمام مسلم، وابن ماجه، والزمخشري، والترمذي، والطبراني، والرازي، وأبي حنيفة النعمان، والإمام الغزالي، والبيهقي وغيرهم.
وهكذا كانت امرأة من بين أهم الأسباب لأكبر تحول مذهبي في تاريخ إيران والعالم الإسلامي، تمامًا كما كانت امرأة من بين أهم الأسباب لأكبر تحول مذهبي في تاريخ إنكلترا والقارة الأوروبية، وقد صدق نابليون عندما قال “فتش عن المرأة”.