في مدينة المحرق، حيث تبدأ الكثير من الحكايات والمواقف المعبرة ولا تنتهي مع مرور الزمن، فما زالت تلك الأزقة تحفظ الذكريات الجميلة؛ عشنا طفولة لا تشبه هذا الزمن إطلاقًا، وكان الفريج حينها مدرسة مفتوحة نتعلم فيها الكثير من معاني الحياة، وذلك قبل أن نقرأها في الكتب.
لم تكن مدينة المحرق وحدها بهذه الشاكلة، إنما كانت معظم مدن وقرى البحرين في تلك الفترة كالمنامة، والرفاع، والمحرق، والدير، وسماهيج، وبقية مناطق البحرين تنبض بنفس الروح وببساطة أهلها الطيبين. وفي وسط تلك الحياة الجميلة، كان هناك عشق لا يختلف عليه أحد سابقاً ولا الآن: “نادي المحرق”. لم يكن مجرد نادٍ في محافظة المحرق، بل كان هوية ورمزًا يجمعنا صغارًا وكبارًا؛ كنا نرتدي زيه الرياضي ونقلد نجومه في الصغر، ونحلم أن نكون يومًا في مكانهم على أرضية الملعب. كنا نعيش كرة القدم بكل تفاصيلها حينها في كل مكان؛ ففي المدرسة ننتظر جرس الفسحة لنركض نحو الملعب المدرسي، لنلعب بحماس وشغف وكأننا في نهائي بطولة من كثرة الحماس الرياضي. وبعد نهاية اليوم الدراسي نعود إلى البيت، وفي الحقيقة لا يطول بنا الجلوس، فنخرج مرة أخرى إلى الفريج لنكمل ما بدأناه صباحًا في المدرسة. لم نكن نحتاج إلى ملاعب أو أدوات رياضية، فكانت الكرة وحدها تكفي، حيث كان الشغف بها في الصغر المحرك الأساسي في حب الكرة المستديرة. ولكن، وسط كل هذه التفاصيل الجميلة، تبقى هناك شخصية لا يمكن أن تُنسى؛ شخصية “العم صالح” - رحمه الله - الخالدة في ذكريات الطفولة كحكاية سائق الباص.
كان العم صالح محطة من الذكريات التي تجسد حب أهالي المحرق لناديهم، حيث كان بالنسبة لنا وللجميع أكثر من مجرد وسيلة نقل لحضور المباريات، في وقت لم تكن تتوفر فيه وسائل نقل كزمننا هذا. كنا ننتظر “العم صالح” في يوم المباراة وكأنه جزء من يومنا الذي لا يكتمل بدونه؛ كان بسيطاً في مظهره، عظيمًا في قلبه.
ومع مرور الأيام، صار دوره أكبر من مجرد سائق باص ينقلنا لحضور المباريات، بل صار مسؤولاً وحريصًا على الجميع، يتابع ويراقب كأب لأبنائه؛ فإذا غاب أحد المعتادين سأل عنه، وإذا تأخر أحد انتظره. لم يكن يعمل بوظيفة مجردة، بل كان يؤدي رسالة أبوية جميلة، ومن هنا كان يتحول “العم صالح” بسائق باصه إلى رحلة استثنائية تجمع الصغار بشغفهم بكرة القدم، ليأخذهم إلى استاد البحرين الوطني في مدينة عيسى، دون أي تنظيم أو تخطيط مسبق، فقط بدافع حب منطقة المحرق وأبنائها. كان ينتظر الجميع حتى نهاية المباراة، سواء كنا فائزين أو خاسرين، ليعود بالكل إلى بيوتهم وأهاليهم، وكان هذا واجباً نابعاً من حبه لأبناء منطقته.
ذلك الرجل الطيب لم يدرس نظريات التربية الحديثة، ولم يقرأ كتب التنمية، إنما كان يعرف معنى أن العطاء أحيانًا لا يحتاج إلى مقابل مادي، وأن الانتماء دائمًا ما يكون المحرك الأساس للعطاء، وأن الإنسان يُقاس بأثره في قلوب الناس، لا بما يملك.
رحم الله “العم صالح”... ذلك الرجل الطيب الذي لم يكن مجرد سائق باص، بل كان حكاية إنسان، ومدرسة في الأخلاق والانتماء.
كاتب بحريني