لو كانت كأس العالم قضية في المحكمة، لاعترض المحامون منذ الجلسة الأولى! سيطالب أحدهم باستدعاء الشهود، ويصر آخر على عرض الأدلة، بينما يطلب القاضي مراجعة الملف كاملًا قبل إصدار الحكم. لكن نهائي كأس العالم لا يعترف بكل ذلك!
شهر كامل من الركض، والعرق، والخطط، والإصابات، والمفاجآت، والانتصارات التاريخية، قد يتبخر بسبب لمسة قدم، أو انزلاقة مدافع، أو ركلة ثابتة، أو ركلات ترجيح. كأن البطولة كلها مرافعة طويلة، بينما الحكم الحقيقي لا يقرأ إلا السطر الأخير.
اسأل البرازيل عام 1950. منتخب أبهر جماهيره، وكان التعادل يكفيه ليحتفل مع أكثر من 170 ألف متفرج في ماراكانا، لكن الأوروغواي قلبت الحكاية، فتحولت أكبر حفلة كروية إلى أكبر جنازة.
واسأل هولندا عام 1974. العالم كله وقع في حب «الكرة الشاملة»، لكن الكأس سافرت إلى ألمانيا الغربية. بقي الأسلوب خالدًا، أما الذهب فاختار عنوانًا آخر.
ثم جاء روبرتو باجيو عام 1994. رجل حمل إيطاليا حتى النهائي، لكن التاريخ لم يحتفظ بكل أهدافه، بل احتفظ بركلة جزاء ارتفعت فوق العارضة. وبعده، صنع زين الدين زيدان بطولة تليق بالأساطير، غير أن نطحته أصبحت أشهر من كل لمساته.
وحتى مبابي، الذي سجل ثلاثية في نهائي 2022، عاد إلى بلاده من دون الكأس، وكأن الكرة قالت له: «شكرًا... لكن ليس اليوم!».
لذلك، لا تقع كأس العالم في غرام الطيبين. إنها تميل إلى اللاعبين الذين يقتلون المباراة في اللحظة المناسبة، ويغتالون أحلام خصومهم بلا شفقة، حتى لو كانوا الطرف الأقل إقناعًا.
العجيب أن هذه المحكمة لا تبحث عن البراءة، بل تكافئ القاتل الذي لا يترك شاهدًا على الجريمة!
ولهذا، لا يقرأ نهائي كأس العالم ملف القضية... بل يكتفي بمعرفة اسم القاتل، ثم يسلمه الكأس!!