العدد 5661
الأحد 14 أبريل 2024
banner
مي زيادة..غرامه الأول
الأحد 14 أبريل 2024

لم يجمع الأدباء والمثقفون والمفكرون العرب-والمصريون بخاصة- على ظلامية أديب ومثقف كبير - رجلاً أم امرأة- كما أجمعوا على مظلومية الفلسطينية اللبنانية المصرية مي زيادة والتي ماتت قهراً كمدا؛ جراء وصم أهلها لها بالجنون طمعاً في مالها، فقد غادرت دنيانا وهي في أوج سن عطائها الأدبي والفكري حيث لم تتجاوز ال 55 عاماً( 1886- 1941).لسنا هنا بصدد إعادة سرد حكايتها التي أحسبها معروفة لدى المثقفين العرب كافة، إلا ما يتصل منها بأديبنا ومفكرنا الكبير طه حسين.مهما يكن يكفي مي ويكفي العرب فخراً أنها أول فتاة عربية في تاريخنا الحديث تقف أمام حشد كبير من الرجال، وكان ذلك في الجامعة المصرية القديمة 1913حينما ألقت كلمة في حفل تكريم الأديب اللبناني جبران خليل مطران بخطى ثابتة وبكلام متدفق مسترسل بكل جرأة وشجاعة،دون أن تظهر عليها أي أمارات من اللجلجة أو التلعثم أو الارتباك.وأصوات هذه الكلمة المبثوثة من حنجرتها الرقيقة هي التي أشعلت شرارة الحُب الأول في قلب العميد. وهي إلى ذلك كانت أول فتاة عربية تفتح صالوناً أدبياً معظم مريديه رجال من كبار الأدباء والمفكرين والمثقفين من ذوي آراء وانتماءات فكرية شتى، لتدير بكل أناة واقتدار حواراتهم التي لا تخلو في أحايين عديدة من الاحتدام ما يجبرهم على احترامها، هم الذين وقع معظمهم في غرامها،لكنها حرصت على إبقاء صالونها مفتوحاً بشكل منتظم كل ثلاثاء زهاء عشرين عاماً ونيفاً، في حين لا أحد استلهم تجربتها من أديباتنا العربيات، اللهم صالونات محدودة وغير منتظمة.دع عنك الرجال، فالساسة منهم إنما أهتموا بفتح الصالونات السياسية، ولربما القليل منهم تخصص في الصالونات الأدبية.
وعودة لكلمة فقيدتنا المظلومة التي أشعلت أصواتها الأنثوية شرارة الحُب الأول في فؤاد العميد،ولنتركه هنا يتحدث عن مشاعره الغرامية التي اضطرمت في تلك اللحظات وهو يتابع فقرات برنامج الحفل تُترىٰ كما عبّر هو نفسه عنها في "الأيام" بضمير الغائب تحت عنوان صريح " عندما خفق القلب لأول مرة": "..فلم يحفل بشيء مما سمع، لم يعجبه شعر حافظ في ذلك المقام، مع أنه كان كثير الإعجاب بشعر حافظ. ولم تعجبه قصيدة مطران لأنه لم يفهم منها شيئاً، ولم يذق منها شيئا( ...) لم يرض الفتى عن شيء إلا صوتاً واحداً سمعه فاضطرب له اضطراباً شديداً وأرق له ليلته تلك.كان الصوت نحيلاً، وكان عذباً رائقاً وكان لا يبلغ السمع حتى ينفذ منه في خفة إلى القلب فيفعل به الأفاعيل. ولم يفهم الفتى من حديث ذلك الصوت العذب شيئاً، ولم يحاول أن يفهم من حديثه شيئاً. شغله الصوت عما كان يحمل من الحديث. وكان صوت الآنسة مي التي كانت تتحدث إلى جمهور من الناس للمرة الأولى".بعد ذلك يحدثنا العميد كيف أخذ يتحين الفرصة لملاقاتها حتى وجدها مواتية للذهاب إلى صالونها بمعية صديقه محمد حسين هيكل، وهو الصالون الذي كان يحضره عادةً مشاهير الأدباء والمثقفين،ثم سرد العميد الأحاسيس والمشاعر التي كانت تنتابه أثناء وجوده في الصالون.(طه حسين، الأيام، الشركة العالمية للكتاب، 2014، بيروت، ص 291 - 292).إذن هو الصوت الأنثوي العذب الرقيق الذي "فعل الأفاعيل" بقلبه الذي اضطرب له هياماً وعشقاً.وسنجد الصوت الأنثوي هو وراء اضطراب فؤاده غراماً وتيماً بسوزان بريسو الفرنسية في سني دراسته بفرنسا. وهكذا فإذا كانت حاسة النظر هي الوسيلة الأولى لاكتشاف فتنة المرأة التي تخلب لب الرجل الذي لم يفقد حاسة البصر، فإن حاسة السمع هي الوسيلة الأولى لدى من أفتقد حاسة البصر، وبالتالي إذا ما صحت -جدلاً- مقولة " الحُب من أول نظرة"،فقد يصح القول " الحُب من أول همسة من الكلام". ألم يقل أبو العلاء المعري وهو أكثر شاعر استلهمه وتأثر به العميد: "والعين تعشق قبل العين أحياناً"؟ ولتوضيح تأثير الصوت في إشعال الشرارة الأولى للحُب نُذكّر هنا بالتحليل الرائع لهذا التأثير من قِبل الناقدة والأديبة صوفي عبد الله في ضوء عرضها لصوت خديجة في "دعاء الكروان" كما جاء على لسان العميد : " كان صوتها يحضر في النفس هذا كله إذا تكلمت. وكان صوتها ذلك الرخص العذب الصافي يلائم وجهها المشرق، فكان شخصها أشبه شيء بآية من آيات الموسيقى التي لا تلذ السمع وحده، وإنما تلذ في كل ما في الإنسان من ملكات الحس والشعور والتفكير!". وهنا تبرز عبد الله في تحليلها ما يملكه صوت الأنثى من ملكات هائلة مثيرة، فكأنه يعوّض عن بقية الحواس الخمس:"فصوت المرأة لا يخاطب الأذن وحدها وإنما يخاطب حواس اللمس وخلجات الحس ويثير صوراً حسية لمسية.ليس أقلها وصف الصوت الرخيم بصفات النعومة والبضاضة التي لا تُعهد إلا في اللمس وحده"، وهذا بالضبط ما كان عليه العميد في الوهلة الأولى من غرامه لمي ثم لبريسو.وإن كان غرامه للأولى هو من طرف واحد كسائر رواد صالونها، إذ سرعان ما انشغل بترتيبات بعثته في 1914 إلى فرنسا حيث نقّل فيها فؤاده للحبيبة الثانية.
 

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية