العدد 5446
الثلاثاء 12 سبتمبر 2023
banner
ما بين الحرق والتلحين
الثلاثاء 12 سبتمبر 2023

لم نكن نتخيل يومًا أن يأتي أحد ممن ينتمي للإسلام ويفترض فيه أنه يعرف قدر وقيمة القرآن العظيم ليقوم بتلحين بعض آياته، ربما ظنًا منه أنه أوتي من المواهب التلحينية ما يمكنه من ذلك، أو اعتقادًا منه أنه بذلك يعلي من قدر القرآن الكريم، ولم يكلف نفسه عناء السؤال عن مدى حرمة ما يقوم بفعله قبل بثه للناس، وذلك في الوقت الذي يتعرض فيه هذا الكتاب المقدس للحرق على أيدي متطرفين جهلاء يخرجون مكامن أحقادهم وعنصريتهم بمثل هذه التصرفات التي تسيء لهم ولثقافتهم وقيمهم ولا تمس القرآن الكريم، بل تؤكد أهميته ورسوخه في قلوب ووجدان أتباعه ودوره في نهضة مجتمعاتهم وتشكيل حضارتهم، وإلا ما تعمد الحاقدون المتطرفون الإساءة إليه، فهم يعلمون أن مثل هذه التصرفات الخرقاء ستثير الغضب الشديد لمن يؤمنون بهذا القرآن الكريم.


هذا الملحن الذي تجرأ وقام بنشر مقطع فيديو عبر الإنترنت لقراءة آيات القرآن الكريم على أنغام موسيقى آلة العود، يعلم تمام العلم هو الآخر مدى قدسية ومكانة القرآن، لكنه يعد امتدادًا لحالة من الجهل والاستهانة بالمقدسات ومظهرًا من مظاهر انتكاسة القيم والخروج الشاذ على التقاليد والأعراف، إما لرفضهم إياها وعدم اعترافهم بها، أو بحثا عن الشهرة وتصدر حديث الناس، لنجد أنفسنا أمام صور ومشاهد تكشف مدى التدني وعدم الاحترام كمن يطالب بمنع صوت الأذان حفاظًا على مسامع السياح وعدم إزعاجهم، ومن يقوم بتشغيل الموسيقى والأغاني ويقوم بالرقص بالمسجد، أو من يقوم بالإعلان عن نفسه كمحلل ومخصب.


صحيح حصلت هبة مجتمعية رافضة وساخطة تجاه هذا الملحن، حيث تبارى المعنيون بالقرآن الكريم في توضيح تحريم هذه الفعلة الشنيعة ومخاطرها، بينما هدد نقيب المهن الموسيقية وتوعد باتخاذ الإجراءات القانونية والعقابية ضد هذه السلوكيات غير المنضبطة أو ما أسماه بالمهزلة والعبث. وكون ما يحدث من مشاهد شاذة وساقطة مسيئة للدين، وكما قال نقيب المهن الموسيقية تندرج ضمن التحريض والتجرؤ على الأديان والثوابت العقائدية، فالأمر بحاجة لإعادة الاعتبار لهذه الثوابت والمقدسات، وأن يكون ذلك هدفًا رسميًا ومجتمعيًا لتكون المواجهة حاسمة ورادعة وجذرية وليس مجرد هبات مؤقتة تخمد مع مرور الوقت ومع ابتعاد الحدث.


* كاتب مصري

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية