العدد 4723
الأحد 19 سبتمبر 2021
حديث عن المعارضة واغتيال عبدالله المدني
الأحد 19 سبتمبر 2021

رحم الله المغفور له عبدالله بن الشيخ محمد علي المدني رئيس تحرير مجلة “المواقف” الأسبوعية وأمين سر المجلس الوطني الذي حُل في 26 أغسطس 1975، فقد اغتيل رحمه الله قبل 45 سنة، في ليلة الجمعة 18 نوفمبر من العام 1976 في أشنع وأبشع جريمة اغتيال سياسي شهدتها واهتزت لها البحرين والمنطقة بأسرها في ذلك الوقت.

ولنعد سنة واحدة فقط إلى الوراء، في ذلك الوقت كان قد مضى عام واحد على استقالتي من وزارة الخارجية وانخراطي في ممارسة العمل الحر بتأسيس مكتب للترجمة والعلاقات العامة، وفي غياب صحف ناطقة باللغة الإنجليزية، فقد كنت أحضر جلسات المجلس الوطني بانتظام وأسجل ما يدور فيه من مناقشات وما يتخذ من قرارات، وأقوم بترجمتها للغة الإنجليزية وتوزيعها في اليوم التالي على المشتركين الأجانب في هذه الخدمة (الوحيدة من نوعها في ذلك الوقت) من الدبلوماسيين ومديري الشركات والمؤسسات الكبرى، من هنا بدأت معرفتي وعلاقتي بالمدني الذي كان أمين سر المجلس منذ انتخابه في ديسمبر 1973.

ومن خلال حضوري المنتظم لكل جلسات المجلس، فقد رأيت كما رأى الجميع كيف أن الأعضاء المنتخبين في المجلس، وعددهم ثلاثون، انقسموا إلى مجموعتين متضادتين، الأولى أطلق عليها أو أطلقت على نفسها اسم “الكتلة الشعبية” التي كانت تتألف من ثمانية أعضاء من السنة والشيعة ينتمون إلى تيارات يسارية وقومية، وينحدر معظمهم في الأساس من تنظيم “جبهة التحرير الوطني”. أما الثانية، فقد أطلق عليها اسم “الكتلة الدينية”، وكانت تتكون من ستة أعضاء من القرى الشيعية من ذوي الاتجاه والاصطفاف الديني، وباقي الأعضاء المنتخبين شكلوا كتلة ثالثة من “المستقلين” والمنتمين لاتجاهات مختلفة، فكان على الحكومة في تلك الظروف أن تواجه معارضة برلمانية مكونة من ثلاث كتل بانتماءات وتوجهات متباينة ومتضاربة، إلى جانب أن هذه التركيبة أدت بطبيعتها إلى انزلاق المجلس في صراعات دائمة حول معظم أو جملة من القضايا المهمة التي تصدى لها، بحيث شكلت هذه الحالة الأرضية التي أدت في النهاية إلى حله في شهر أغسطس 1975.

قبل ذلك بخمسة أشهر، وبالتحديد في يوم الخميس 13 مارس 1975 اتصل بي المرحوم عبدالله المدني ليخبرني أنه تلقى دعوة؛ بصفته رئيس تحرير مجلة “المواقف” الأسبوعية لمرافقة رئيس الوزراء سمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه، ضمن الوفد الإعلامي الذي سيرافق سموه في زيارته الرسمية لدولة الكويت التي حُدد لبدايتها السبت 15 مارس، ولكن لظروف طارئة، فإنه لن يستطيع السفر، وطلب مني أن أنوب عنه في هذه المهمة. وبالفعل انضممت للوفد الإعلامي وقمت بتغطية الزيارة والمباحثات التي جرت، وتم نشرها في عدد “المواقف” الصادر في 17 مارس 1975.

من حينها توطدت وتوثقت علاقتي بالمرحوم، رغم تناقض المواقف وتباين الأهواء والقناعات والتوجهات السياسية، فهو خريج دراسات دينية، ملتزم دينيا، مؤمن بالإسلام السياسي، وبأن الإسلام دين ودولة ولا انفصام بينهما، ومطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية كنظام للحكم، وفي المقابل، فأنا خريج علوم سياسية، مؤمن وفخور بانتمائي الديني مع ميول ليبرالية وقناعة راسخة بمبدأ فصل الدين عن الدولة. وقد امتدت علاقتي من بعد اغتياله إلى شقيقه المرحوم الشيخ سليمان المدني الذي توطدت علاقتي به أيضًا عندما أديت فريضة الحج في العام 1982 ضمن الحملة التي كان هو مرشدها الديني إلى جانب المرحوم الشيخ منصور الستري.

كان عبدالله المدني طيب القلب نقيّ السريرة وقورا دمث الخلق، ورغم أنه كان هادئ الطبع منخفض الصوت ليّن العريكة، إلا أنه كان شجاعا في صراحته، شديد الحماسة والغيرة على قناعاته ومواقفه، ولا يتردد في الدفاع عنها والتصدي باللسان والقلم لمناوئيها من الشيوعيين الماركسيين واليساريين المتطرفين وغيرهم، فأصبح بذلك هدفًا لتنظيماتهم التي هي كغيرها من التنظيمات السياسية المتطرفة على أتم الاستعداد لإسكات وإخماد وكتم أنفاس الأصوات التي تعارضها أو تختلف معها، وتصفيتها بأي صورة من الصور وبأي أسلوب من الأساليب.

ففي أوج تمدد الحركة الشيوعية وعنفوان التضليل السوفيتي بدأت الأفكار الماركسية واليسارية في التسلل للمجتمع البحريني مع بداية النصف الثاني من القرن الماضي، لتتأطر لاحقا ضمن تنظيمي “الجبهة الشعبية لتحرير البحرين” و”جبهة التحرير الوطني”.

وعلى الرغم من أن المجتمع البحريني والعربي عامة كان وما يزال طاردا ورافضا للأفكار والمبادئ الماركسية اللينينية اليسارية لعدة أسباب من بينها، وليس من أهمها، التصاق الفكر الماركسي بالإلحاد، إلا أن نمو حالة التفاوت الطبقي الناتج عن الاكتشافات النفطية، وانعدام الرؤية المستقبلية، واضمحلال الفكر السياسي العربي، وخلو الساحة السياسية العربية من مفكرين سياسيين معتبرين؛ جعل البعض من الشباب المتذمر ينقاد وراء الأفكار الماركسية واليسارية المستوردة، خمسة من هؤلاء الشباب المنحدرين من ثلاث قرى شيعية بحرينية تورطوا، وهم في مقتبل العمر، في ارتكاب جريمة اغتيال المدني، اثنان منهم بالتخطيط والتحريض، وثلاثة بالتنفيذ.

وكبقية التنظيمات السياسية السرية؛ فإن عملية تأطر أو تأطير الحركة الماركسية المعارضة في البحرين في بداية نشأتها صارت تأخذ الشكل الهرمي في التنظيم، فكانت قمة الهرم في موسكو من مقر الأجهزة الحزبية الشيوعية المعنية بالتوسع وتصدير ونشر العقيدة الشيوعية في العالم وفروعها المنتشرة في عواصم بعض الدول العربية، وفي منتصف الهرم يتمركز الرفاق من القيادات الوطنية الماركسية المتواجدة في الخارج أو المتسترة في الداخل أو المحتجزة وراء قضبان السجون، وفي القاع يتحرك الرفاق النشطاء والكوادر التنفيذية، من هذا القاع انطلق منفذو عملية اغتيال المدني.

فبتوجيه من اثنين من كوادر أحد التنظيمات اليسارية المعارضة، أقدم القتلة الثلاثة على استدراج واختطاف المدني من بيته ليلًا، قرب منتصف الليل، واقتادوه تحت تهديد السلاح إلى منطقة نائية في بر سار وأجهزوا عليه بطريقة وحشية بطعنه 18 طعنة بسكاكين حادة أردته قتيلا، ثم تركوه في الخلاء جثة هامدة ولاذوا بالفرار.

وبفضل شهادة الشهود وكفاءة الأجهزة الأمنية تم اكتشاف الجثة والقبض على الجناة ومحاكمتهم، فحكم على المحرضين الاثنين بالسجن المؤبد، وعلى القتلة الثلاثة بالإعدام رميًا بالرصاص الذي تم تنفيذه في العام التالي ليكون أول حكم إعدام ينفذ في البحرين في تاريخها الحديث.

وعلى الرغم من ترسخ القناعة لدى البعض بأن القتلة والمحرضين ما هم إلا مجرد أدوات تحركها تنظيمات سياسية بإملاءات خارجية، وتوجيه أصابع الاتهام بالتحديد إلى الجبهة الشعبية، إلا أن التحقيقات لم تثبت تورط قادتها في تلك الجريمة البشعة.

لقد شكلت تلك الجريمة النكراء محطة مؤلمة مظلمة في تاريخ البحرين السياسي التي يجب ألا ننساها أو نتناساها، وأن نتوقف عندها بين الفينة والأخرى؛ لنجدد رفضنا وإدانتنا وشجبنا لمثل هذه الممارسات الضالة، ولنؤكد احترامنا للقانون ونبذنا لكل أشكال التطرف والعنف والإرهاب، والتزامنا بقيم السلم والتسامح والتعايش واحترام الرأي الآخر.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية