العدد 4696
الإثنين 23 أغسطس 2021
الانسحاب من أفغانستان وسياسة “اترك الفخّار يكسِّر بعضه”
الإثنين 23 أغسطس 2021

بموجب الاتفاق الذي تم في الدوحة بين الولايات المتحدة وطالبان في شهر فبراير من العام الماضي، وتنفيذًا له فإن الولايات المتحدة خلال الأيام القادمة ستكمل انسحابها وتنهي وجودها العسكري في أفغانستان بهذه الطريقة المتسرعة على الرغم من ازدياد أهمية الموقع الاستراتيجي التي أصبحت أفغانستان تتمتع به بالنسبة لها بعد أن انتقلت الأهداف والمصالح الأميركية مما كانت عليه في سبتمبر 2001 إلى جعل أفغانستان جبهة متقدمة في الصراع بينها وبين الصين وروسيا، هذا إلى جانب الثروات المعدنية الهائلة التي تزخر بها بطون الأراضي الأفغانية، لذلك لا يمكن لعاقل أن يتصور أن الولايات المتحدة هي على هذه الدرجة من السذاجة أو الغفلة بحيث تقرر الانسحاب من أفغانستان بهذا الشكل الذي بدا مهينًا دون خطة أو هدف مبيت، ودون مقابل، ودون أخذ ثمن لما بذلته من جهود دامت لعشرين عاما، وتضحيات بلغت أكثر من 4 آلاف من الأرواح الأميركية من جنود ومقاولين، وما أنفقته من الأموال الطائلة التي فاقت التريليوني دولار، بحسب تأكيدات الرئيسين ترامب وبايدن.

إن الانسحاب من أفغانستان ومن الشرق الأوسط بشكل عام كانت في الأساس فكرة الرئيس أوباما الذي توصل إلى قناعة بأنه يمكن الاعتماد على جماعات وأحزاب التيار الإسلامي السياسي أكثر من الاعتماد على الأنظمة الحاكمة في الدول الاسلامية.

والانسحاب من أفغانستان بالذات قرار لم يختلف عليه الرئيسان المتنافسان ترامب وبايدن، فالتواجد العسكري في أفغانستان لم يعد يخدم ويصب في وعاء المصالح الاستراتيجية الأميركية التي بالامكان تحقيقها والمحافظة عليها بأساليب وتكتيكات أخرى. أميركا كانت تريد وقف النزيف المؤلم لقدراتها البشرية والعسكرية والاقتصادية الذي يسببه تواجدها العسكري في أفغانستان، وتريد التخلص من العبء الأفغاني دون التفريط بأهدافها ومصالحها الاستراتيجية؛ فكان اتفاق أو صفقة الدوحة تقتضي تسليم أفغانستان لطالبان مع العمل على ضمان تحقيق تلك الأهداف والمصالح؛ وإن سيطرة حركة طالبان على أفغانستان بهذه السرعة التي أدهشت المراقبين وفاقت كل التوقعات لهو أكبر دليل على وجود الصفقة.

مهندس الاتفاق الرئيس ترامب وصفها منذ البداية بأنها “صفقة رائعة” وفقا لمستشار الأمن القومي آنذاك جون بولتون، الذي قال عن الخطة بأنها “فرصة حقيقية لتكون مثمرة لحد كبير”.

الولايات المتحدة كانت على دراية وعلم بنية طالبان السيطرة على أفغانستان فور أو قبل إتمام الانسحاب، وقد قدرت أجهزة المخابرات المركزية الأميركية بأن طالبان بحاجة إلى ثلاثة أشهر للسيطرة على البلاد، الاختلاف حصل في المدة فقط، التي صارت أقل بكثير مما قدرتها أجهزة المخابرات.

‎ضمن كل هذه المعطيات فإن الولايات المتحدة ستكمل

‎انسحابها، وستعترف قريبًا بحكومة طالبان في أمارة أفغانستان الإسلامية، وهي لم تفاجأ ولم تهزم كما يقول البعض، فمن خلال توقيع اتفاق الدوحة والانسحاب العسكري من أفغانستان فإنها قد قامت بمجرد تبديل مواقعها ضمن رؤية سياسية أمنية ترتكز على تحقيق أهداف أميركية متجددة تستجيب للتحديات والمستجدات التي تشهدها منطقة شرق ووسط آسيا، إن الولايات المتحدة هي المستفيدة والرابحة استراتيجيًا في هذه الصفقة، فقد تخلصت من الأعباء والالتزامات المالية والعسكرية التي أرهقتها، وفي الوقت نفسه فإنها أصابت بضربة واحدة جملة من الأهداف ضمن سياسة ينطبق عليها المثل الخليجي “اترك الفخار يكسر بعضه” والتي ستشهد المنطقة على أثرها مواجهات وصراعات مبرمجة.

والانسحاب بالشكل والطريقة التي تم بها لن يحقق بالتأكيد الاستقرار الأمني والاقتصادي لأفغانستان؛ وربما هذا هو المطلوب لتتحول الأمارة الإسلامية المرتقبة إلى مستنقع جيوسياسي، ومركز لتصدير المخدرات، وبؤرة تهديد لدول الجوار المعادية لأميركا وبالأخص إيران وروسيا والصين، وستصبح بمثابة الخنجر الموجه إلى خواصر وصدور هذه الدول الثلاث.

في هذا السياق فإن حالة من التوتر مرشحة للانفجار بين أمارة أفغانستان الإسلامية والجمهورية الإسلامية في إيران يتم من خلالها إشغال واستنزاف إيران بعد استنهاض الخلاف الايديولوجي والعقائدي الحاد بين طالبان السنية وإيران الشيعية، وامتدادًا لذلك فإن إيران الشيعية ستقع بين كماشتين سنيتين أفغانستان وتركيا، وسيتسع بالنتيجة البون بين المعسكرين السني والشيعي في العالم الإسلامي.

وقد استهدفت أميركا في خطوتها أو خطتها أيضًا عدوين آخرين من جيران أفغانستان، روسيا والصين واللتين تعتبرهما طالبان عقائديًا من دول الكفر والإلحاد، هاتين الدولتين مع انهما أبديا استعدادا ورغبة في التعاون مع طالبان، إلا انهما لم يخفيا تخوفهما وقلقهما من أن تصبح أفغانستان تحت حكم طالبان ملاذا آمنا للجماعات الإرهابية المتشددة.

وبالنسبة لروسيا فليس ثمة ود مفقود بين طالبان وبينها، روسيا تعتبر طالبان منظمة محظورة ومدرجة على قائمة التنظيمات الإرهابية في روسيا، إلى جانب أن طالبان والشعب الأفغاني برمته لم ولن يغفروا لروسيا غزوها لبلادهم الذي استمر لقرابة 10 سنوات، وستبقى هذه الصفحة السوداء في العلاقات بين البلدين مصدرا مشتركًا لتغذية روح الكراهية والشك وعدم الثقة بينهما، وستجعل إمكان الاحتكاك و المواجهة بينهما واردة، وتدرك الولايات المتحدة ان استمرار حالة عدم الاستقرار في أفغانستان ستنتقل إلى دول آسيا الوسطى المجاورة التي كانت جزء من الاتحاد السوفيتي وما تزال روسيا تعتبرها “حديقة خلفية لها”.

والعدو الآخر هو الصين؛ المنافس الاقتصادي المخيف للولايات المتحدة، والتي تبني مستقبلها وتوسيع نفوذها ورخاءها الاقتصادي على إحياء “طريق الحرير” بحلته الجديدة ضمن مبادرة أو مشروع “الحزام والطريق”؛ هذا المشروع بالذات يشكل تحديا كبيرا للمصالح الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، وأفغانستان دولة أو حلقة محورية لهذا المشروع، والعاصمة كابل كانت وما تزال من أهم المحطات على هذا الطريق، وإن كسر أو فك هذه الحلقة وإغلاق هذه المحطة في وجه المشروع سيؤدي دون شك إلى عرقلته أو حتى إفشاله وتدميره، إلى جانب ذلك فإن نظام الولاية الإسلامية في أفغانستان لن يستطيع أن يسكت أو يقف مكتوف الأيدي حيال ما يتعرض له المسلمين الإيغور في إقليم شينجيانغ غرب الصين على الحدود الأفغانية، ومن منطلق عقائدي ستضطر طالبان إلى الاستمرار في دعمهم ومساندة حركتهم الانفصالية، وهو ما يتفق مع استراتيجية واشنطن الهادفة إلى فصل الاقليم تحت مسمى “تركستان الشرقية”.

ولإتمام الخطة لم يبقَ على الولايات المتحدة الآن سوى الإسراع بالاعتراف بحكومة طالبان فور تشكيلها، وتفعيل البنود المتعلقة بالتعاون الاقتصادي بين البلدين الواردة في الاتفاق بما يشمل الشروع في الاستثمار واستخراج المعادن الثمينة من بطون الأراضى الأفغانية مثل الليثيوم والنحاس والذهب وخام الحديد والأحجار الكريمة، وبذلك تسد الطريق أمام أي احتمال للتعاون الاقتصادي بين أفغانستان والصين أو روسيا، مع الابقاء علي منابع الخلاف وجذوات التوتر والتصادم.

وتجاه هذه الخطط والتطورات الخطيرة والتحديات والأخطار الأمنية الناتجة عنها، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا عن موقف أو خطط دول مجلس التعاون (ما عدا دولة قطر التي تربطها علاقات وثيقة بطالبان)؟

فإلى جانب عدم الاغتباط والقلق والترقب، فإن هذه الدول لا شك في أنها تدرك أهمية وضرورة الأخذ في الاعتبار والحسبان أن انتصار طالبان عن طريق المفاوضات وسيطرتها على أفغانستان قد أكسبها الشرعية على الساحة الاقليمية والدولية ما سيؤدي بالنتيجة إلى استنهاض واستنفار وتقوية شوكة منظمات وتيارات التشدد والتطرف والإرهاب في المنطقة ويوقظ خلاياها النائمة.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .