العدد 6442
الخميس 04 يونيو 2026
خربشة ومغزى | الْخُصُومَةُ،، والنُّبْل عند العظماء
الأحد 29 مارس 2026

 

الْخُصُومَةُ ونُّبْل التعامل معها عند العظماء، حملتها مرويات عبر التاريخ البشري، واستفرد بها بعض نُّبلاء هذا العصر. والعرب تقول أن الْخُصُومَةُ؛

هي لَجاج ومنازعة وجَدَل، ولَدَّد فيه شدة عداوة، وزور وخوض في باطل، وفيها شحناء تُشغل قلب وتُورث نفاق، وتعتبر مبدأ كلّ شرّ مع ضغائن مُستكنة في جوارح. وهناك من يُطلق لفظ جواظ لصاحب الخصومة وتعني أنه فاجر مختال، أو يُقال جعظري أي فظُّ غليظ مُتكبِّر.

والخصومة قد يكون فيها أَمْرٌ لَا يُسَدُّ مِنْه خُصْمٌ إِلَّا انفتح علينا مِنْه خُصْمٌ, وهذا فيه معنى الإِخبَار عن انتشار الأَمرِ وشِدَّتِهِ، وأَنَّهُ لا يتهيَّأُ إِصلاحُهُ وتلافيه لأَنَّهُ بخلاف ما كانوا عليه من الِاتِّفاقِ. ولرُبَّ خَصْوم فيهم أَلِدَّةٍ تَغْلِي صُدُورُهُمُ بهِتْرٍ هاتِرِ، والهدي القرآني يقول في أمثالهم؛ "هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ"، وتفسير هذا أنه عَنَى المؤمنين والكافرين، وأَنَّ اليهود قالوا للمسلمين دِينُنَا وكتابُنا أقدم مِن دينكم وكتابكُم، فأَجابَهُمُ المُسلِمُونَ بأَنَّنَا آمنَّا بما أُنْزِلَ إِلينا ومَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وآمنَّا بِاللَّهِ وملائِكتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وأَنْتُمْ كَفَرْتُمْ بِبَعْضٍ، فظَهَرَتْ حُجَّةُ المُسْلِمِينَ.

أما الحديث عن النُّبْل بضم وتشديد النون فهو بمعنى الذَّكاءُ والنَّجابة، ومنه يُقال نَبُلَ نُبْلاً ونَبالة وتَنَبَّل، ونَبِيلٌ ونَبْلٌ، والأُنثى نَبْلة، والجمع نِبالٌ بالكسر، ونَبَلة والنَّبِيلة أي الفَضِيلة. والنَّبالة مصدر لشيء نَّبيل جسيم وهو أَعمّ في دلالة النُّبْل، ومن هذه الدلالة جاء في وصف امرأَة؛

ولم تَنَطَّقْها على غِلالَهْ

إِلاَّ لِحُسنِ الخَلْق والنَّبالَهْ

غلالة؛ هي الثوب الرقيق، والمقصود بها هنا الستر والكناية.

قيل كذلك في معنى نَبيل عاقل، وحاذِق. أما نبيلُ الرأي فهو يعني جيِّده، أو من يُصلح عِظام الأُمور، ومنها كلمة اسْتَنْبَل الشىء أي أنه أَخذ خِيارَه، واجتهد في إتقانه، وبهذا يورد الأصمعي لفظ أَنْبَلُ في بيت شعر عن قبيلة عدوان ومهارتهم في صنع السهام؛

قَوَّمَ أَفْواقَها وتَرَّصَها

أَنْبَلُ عَدْوانَ كلِّها صَنَعا

قَوَّمَ؛ سهام

أفْواق؛ موضع الوتر من السهم

والعرب أهل شِيَم وعادات نُّبْل، ورفق باقوامهم، وهذا شعرهم؛

فانبل بقومك اما كنت حاشرهم

وكل جامع محشور له نُبُل

المعنى؛ انبُل بقومك أَي ارْفُقْ بقومك، وكل جامِعِ مَحْشورٍ أَي سيدِ جماعةٍ يحشُرهم أَي يجمَعُهم له نُبُلٌ أَي رِفْق.

ومن هذا الإدراك كان مفهوم نُبْل الخصومة عند العرب ممتد عبر العصور، ومنقبة علو وقوة. تلوح في الحروب والأزمات والمفاوضات، والعظماء هم وحدهم من يدرك حِكمة النُبْل، وكيف له أن يحقق توازن حال حرب وهدم.

وبالمقابل تتكشف ظاهرة الفجور حين الخصومة، وهي آفة مذمومة فيها فقدان الذات، وإفتراء وتشويه وكيد، وتربص في مناحي تتنوع يبثها إعلام ومنصات تواصل، تزيد جفاء وعداء يتعسر فيه رجوع وإطفاء. وهذه عِلّة عجز عند البشر، وأيامنا شهدت فجور وعداء، وغلّ وقلّة وفاء، تناوش فيها أعداء، بينهم تحدي وفرض هيمنة طال فيها أمن بلدان الخليج  العربي، وهم لا معها أو فيها، فيه فجور علوج جيران. ووقع وآسفا في فخ هذه الحرب السجال بعض عرب عندهم غليان. ألسنة حِداد منهم نطقت، وكتابة عنهم نُشرت، وتراشق توالى ما سكت، وهناك من أندس فيهم أو زور عليهم، ولعلّ صدى مندوحة قول لأبن المقفع في كليلة ودمنة تنفع العقلاء"إذا أراد السفيه أن يُدخلك في جدله، فانسحب بلباقة وكأنك لم تسمع".

المُنى وهو طموح لكل نبيل وحكيم أن يرى في الأزمات؛ لحمة عروبة تظهر، ووفاء لقِيم أنتماء يُعبَّر، ووحدة أمن دول العرب خط أحمر، وهذا أدنى قليل وواجب لبلدان طالها عدوان، وهم أهل كرم ممدود ونصره، وعون وفك عسره، ودعم تنمية ونهضة. وهذا لا ينكره إلا من عمى بصره.

في خضم الحروب والخصومة، يتبين عظماء فيهم نُّبْل ووعي وعدل يتعالوا على نوازع النفس، وهم لا يشبهوا عدوهم في إنتقام وإيذاء، يهمهم مقاصد، وسلم بشر، وعندهم الخصومة مختبر يكشف معادن الرجال، فيها من يخسر نفسه، وآخر يُخلّد التاريخ ذكره.

وأفضل ما يُستشهد به عن النُّبْل؛ هو فعل النبي القدوة صلى الله عليه وسلم حينما دخل مكة منتصرًا، جلس في المسجد، والمشركون ينظرون إليه، وقلوبهم مرتجفة خشية أن ينتقم منهم، أو يأخذ بالثأر قصاصا عما صنعوا به وبأصحابه. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟، قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال؛ اذهبوا فأنتم الطلقاء.

والتاريخ العربي الإسلامي حافل بوافر حوادث ومرويات فيها نُّبْل منها مثلا؛مواقف عمر بن عبدالعزيز تجاة خصومه من الداخل والخارج إذ كان يصلح ويتجاوز وبالحق يأخذ في نبل وكرامة، ولا يميل ميزانه، وله في ذلك قول"لا تُعَظِّم خصمك بتهافتك عليه"

وحينما يُذكر نُّبْل المواقف مع الخصوم، تلوح سمو أفعال الملك عبدالعزيز رحمه الله حينما قرَّب من حاربه، وأدخل من حرّض عليه في بناء دولته الفتية، وهذا ذائع وواقع لمن درس سيرته. شهد بهذا كثيرون، ومنهم من كان له معارض في الحزب الوطني الحجازي.

وكذلك  الملك فيصل حينما وقف مع دول عربية منها من خاصمه وحاربه، فكان نِعْمَ الداعم لهم في أزماتهم، والناصر على أعدائهم. لم يبخل بمال ولا رجال، وشجاعة مواقف أممية سجلها التاريخ، وهكذا كان أبناء الملك المؤسس على نهج النُّبْل، وصدق القول والفعل.

والحديث عن العظام له توالي لا ينتهي مذكور في ولاة دول الخليج العربي والعرب، وهم من نطق وصف الجاحظ عن أحدهم في كتاب الرسائل الأدبية "ومتى كنت من أهل النُّبْل لم يضرك التَّبذُّل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التَّنَـبُّل".

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .