رمضان شهرعزائم ومآثر سجلها التاريخ، وهو ميدان صبر وجَلَد يمتلئ معاني، وفيه فتح الله رايات الهدي، ودعوة الخير، وهو كذلك شهر تعمره قلوب خاشعة، وأعمال صالحة، ونوايا طاهرة، ومن ذاق تُقَاه نفع الله به البلاد والعباد.
ولعلّ إطلالة مختصرات، شهدها رمضان لأحداث مُسْنَدة، صدى مآثرها نقلتها كُتب حيّة، وتوارثتها أجيال، نذكرها بالتالي؛
ذكر صفي الرحمن المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم أن اللواء الأول في محاولة كسر شوكة المشركين كان الرابع من رمضان سنة 1هـ، حيث عقده رسول الله ﷺ، وحمل رايته أبا مرثد كناز بن حصين الغنوي، وأمَّر على السرية حمزة بن عبد المطلب، وبعثه في ثلاثين رجلاً من المهاجرين، ليعترض عيراً لقريش، جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر، من ناحية العيص، فالتقوا، واصطفوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفاً للفريقين جميعاً بين هؤلاء وهؤلاء، حتى حجز بينهم، فلم يقتتلوا.
وكذلك أورد أبن اسحاق في كتاب السير والمغازي؛"أن في صبيحة الجمعة السابع عشر من رمضان السنة الثانية من الهجرة خرج النبي ﷺ مع أصحابه لعير قريش، فيها أموالهم، فخف بعضهم، وثقل بعضهم؛ وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا. فخرج المشركون من أهل مكة سراعاً، ومعهم القيان والدفوف، وأقبل أبو سفيان بن حرب بالعير، لم يتخلف من أشراف قريش أحد إلا أبا لهب بن عبد المطلب، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وكان عددهم خمسين وتسعمئة مقاتل، وساقوا مئة فرس. وكان عدد المسلمين ثلاثمئة وسبعة عشر رجلاً، ومعهم فرسان وسبعون بعيراً، وثبتهم الله بألف من الملائكة، وانتهت المعركة بنصر المسلمين، وهزيمة المشركين". فكانت معركة بدر اللبنة الأولى في بناء صرح الدولة الإسلامية.
أما فتح مكة، ذكر صاحب كتاب القول المبين في سيرة سيد المرسلين محمد الطيب النجار؛"أنه كان في العشرين من رمضان السنة الثامنة للهجرة، دخل النبي ﷺ بأصحابه مكة منتصرين فاتحين. وجاء النبي ﷺ إلى البيت الحرام، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه 360 صنماً، فجعل يطعنهم بالقوس، ويقول: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا. ولقد عجل النبي ﷺ بهدم رموز الشرك التي قدسها أهل مكة، دون أن يجامل في ذلك أحداً، أو يحفل بما يمكن أن يثيره هدمها من غضب في نفوس القرشيين وغيرهم؛ لأن بقاءها سيجعل أصحاب النفوس قريبة العهد بالكفر تحن إليها، وسيعين الشيطان على إغواء أهل مكة للعودة إلى عبادتها".
أورد كتاب فتوح البلدان للبلاذري ؛"أنه في اليوم السابع من رمضان المبارك لعام 93هـ تم فتح بلاد السند، ورفرفت راية التوحيد في ربوعها". وكان هذا على يد محمد بن القاسم أرسله الحجاج لتحرير أسيرات مسلمات تم خطفهن من قراصنة لم يقدر داهر ملك السند تحريرهن.
أما فتح الأندلس كان كذلك في منتصف رمضان عام 93هـ حينما عبر موسى بن نصير مضيق جبل طارق إلى أسبانيا، على رأس جيشٍ، قوامه 18 ألف مجاهد معظمهم من العرب لاستكمال فتح الأندلس، الذي بدأه طارق بن زياد، بتكليف من قائده موسى بن نصير، حيث قاد اثني عشر ألفاً، معظمهم من الأمازيغ، وتمكن من الوصول إلى العاصمة طليطلة، بعد سلسلة من المعارك، كان أولها وأشدها معركة وادي لكه استمرت ثمانية أيام، حيث بدأت في 28 رمضان 92هـ وانتهت في 6 شوال من العام نفسه، بانتصار ساحق للمسلمين على القوط، الذي بلغ عددهم مائة ألف مقاتل، حسب إحدى الروايات، يقودهم ملك أسبانيا لذريق. هكذا ذكرها كتاب التاريخ الأندلسي لعبدالرحمن الحجي.
فتح انطاكية كان في يوم السبت 14 من رمضان سنة 665هـ، جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير؛ "فتح المسلمون أنطاكية، على يد السلطان الملك الظاهر، كان نزوله عليها في مستهل شهر رمضان، فخرج إليه أهلها يطلبون منه الأمان، وشرطوا شروطاً له عليهم، فأبى أن يجيبهم، وردهم خائبين، وصمم على حصارها، ففتحها بحول الله وقوته وتأييده ونصره، وغنم منها شيئاً كثيراً، وأطلق للأمراء أموالاً جزيلة، ووجد من أسارى المسلمين فيها خلقاً كثيراً، كل هذا في مقدار أربعة أيام".
ويُذكر أيضاً في رمضان أن معركة شقحب التي حدثت بين المسلمين والمغول في الشام، وكذلك معركة عمورية (ضمن الأراضي التركية الآن)عهد المعتصم مع الروم وملكهم توفيل، ومعركة عين جالوت، بقيادة حاكم مصر سيف الدين قطز، والمغول بقيادة كتبغانوين وهُزم المغول هزيمة ساحقة، وحرر الشام وفلسطين.
روى كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين إبن الأثير؛ "أنه في التاسع عشر من رمضان، سنة 40هـ أستشهد الخليفة الراشد، علي بن أبي طالب رضي الله عنه على يد الخارجي المارق عبد الرحمن بن ملجم، وكان أحد ثلاثة من الخوارج، اجتمعوا في مكة، وتعاقدوا على قتل علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، فقال ابن ملجم: أنا لعلي، وقال البرك: أنا لمعاوية، وقال الثالث: أنا لعمرو، وتعاهدوا أن لا يرجع أحد عن صاحبه حتى يقتل، أو يموت دونه، وتواعدوا أن يكون التنفيذ ليلة السابع عشر من رمضان، فتوجه كل واحد إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يريد قتله، فضرب ابن ملجم علياً رضي الله عنه بسيف مسموم في جبهته، فأوصله دماغه في الليلة المذكورة، فأُصيب إصابة خطيرة، تُوفي على إثرها، وأُخذ ابن ملجم، فأُدخل على عليّ، فقال: “أطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، فإن أعش فأنا ولي دمي، عفوٌ أو قصاص، وإن متُ فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين”
وهنالك معالم شهد رمضان تأسيسها، وبقى إلى يومنا هذا أثرها، أحدها مدينة القيروان التي بدأ بناءها في التاسع والعشرين من رمضان، لعام ثمانية وأربعين للهجرة. ذكر ذلك صاحب كتاب البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ابن عذاري المراكشي؛ "بأمر والي المغرب، عقبة بن نافع، ببناء مدينة القيروان لتكون قاعدة للجيش الإسلامي، منها ينطلق، وإليها يعود، ومركزاً للعلم والدعوة إلى الإسلام، وقد لخَّص عقبة هدفه من بناء القيروان بقوله؛“إن أفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر، فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة، تكون عزاً للإسلام إلى آخر الدهر”.
وكذلك بنى عمرو بن العاص سنة 21هـ بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب جامع يُعتبر أول مسجد بُني في مصر وإفريقيا كلها، احتضنته مدينة الفسطاط التي أسسها المسلمون في مصر بعد فتحها، وحمل عدة أسماء وهي؛ مسجد الفتح، والمسجد العتيق، وتاج الجوامع، وعمرو بن العاص.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |