النقحرة هي ترجمة ونقل صوتي للألفاظ، والمقال فيه تناول هذا المصطلح، وأثره المعرفي، وما هو مذكور عنها في الموروث القديم والحديث، ومجالاتها في المسميات. يُذكر أن لفظ نقحرة لا أصل له في معجم اللغة العربية، بل تولّفت من دمج أول حرفين (نق)، و(حر)، وردتا في كلمتين من تعريف نقحرة "نقل حرفي"، وهكذا أتت دلالة نقحرة تعبير عن نقل كلمات بحروف تُلفظ من لغة إلى أخرى أي ترجمه حرفية، وبعضهم يصف النقحرة أنها النقصوة أي النقل الصوتي والحورفة. وهذا معروف حينما تقرأ مصطلحات حديثة وأسماء، ومثالها ما حصل في كتابة عربية منطوقه بالإنكليزي؛ فيسبوك Facebook، وإنترنت Internet، أو كتابة إنكليزية لألفاظ عربية ﺧﻠﻔﺂء ’khulafā، الفاتحة Fatiha، الخوارزميات Algorithms.
مفهوم النقحرة يُعتبر قديم أثر، ونتاج تماس بين حضارات، والعرب كغيرهم من الشعوب لهم نصيب من ذلك؛ حين انتشروا وتفاعلوا خارج جزيرة العرب مع يونان وفُرْس وهنود وغيرهم، فنقلوا باحرفهم الفاظ أرسطو وأفلاطون. وفي النقحرة، وهي على وزن ترجمة ممكن تجد حروف لغة ليست موجودة في لغة أخرى، وهذا يتجلى في مسميات جغرافية ومصطلحات علمية وفلسفية كان لها تبادل معرفي نُقلت بلاتينية، وفارسية وإنكليزية.
والمعروف أن تقنية النقل الحرفي هو ضروري لكمال الترجمة، وأحياناً فيه تحدي حينما لا يجد المترجم كلمات تكافئ الكلمة التي يرغب بتحويلها خصوصا إذا انتشر لفظ أستعمالها. وهذا وافر في لفظ غير عربي ويكتب بحروف عربية مثل كيمياء وفيزياء وأسماء مقاييس وواحدات كمتر وكيلوغرام. وينطبق أيضا في مسميات مثل بيبسي، وكوكا كولا. ولهذا يكون في النقحرة ترسيخ صورة معينة لفظية تبقى في الذهن حينما تسمع وتقرأ مسمى آبل (Apple) وسامسونج (Sumsung)، وأسم علم مثل قيصر Caesar وابن رشد Averroes.
أما مجال الاستشراق فهناك أهتمام بالنقحرة ومنهجية في كتابة الأسماء والمصطلحات العربية بحروف لاتينية، والمستشرقون الألمان لهم فيها نصيب وعناية، أحدهم المستشرق الألماني فلايشر الذي حقق عام 1845م بعض مخطوطات عربية. وتوالى الجهد بعد ذلك حتى تم وضع نظام كتابة شامل ابتكرته الجمعية الصوتية الدولية للمقاربة مع الأبجدية العربية، بما في ذلك التوصل إلى معيار دولي لنقحرة الأحرف العربية باستخدام الأحرف اللاتينية لتيسير تبادل المعلومات على الصعيد الدولي. وهذا معمول به عند المهتمين في اللغات الأجانب، والممثلون ومؤلفو المعاجم والمترجمون.
في مكتبة الكونغرس تجد هناك نظام للنقحرة يرتكزعلى ثلاثة مراجع؛ جداول النقحرة العربية لمكتبة الكونغرس، ومعجم اللغة العربية المعاصرة لهانز فير، والمنجد في اللغة والأعلام. وفي معجم هانز فير الصادر عام 1952م تجد تحويل الأبجدية العربية إلى الألفبائية اللاتينية. وبالمثل اعتمدت الأمم المتحدة في مؤتمرها المعني بتوحيد الأسماء الجغرافية في عام 2017م نظاما قياسيا لنقحرة الأسماء الجغرافية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية.
في الحاضر، النقحرة تسللت وأصبحت تُشاهد وتُقرأ، ولها وتيرة في مفردات جديدة تُزرع في أنماط أتصال وتواصل حديث، فرضت تحدي لغوي ولزوم ضبط يستهدف عوربة ذات جودة وذوق معرفي.
تأنف أحياناً حينما يرتطم النظر في لوحات وإعلانات ومسميات فيها ارتماء غير مُبرر لمفرادت اجنبية كُتبت بالعربية، فيها تشويه لغوي، هدفها تسويقي، غابت عنها أعين رقابية تحافظ على الهوية اللغوية، ولا أظن أحدا عاقلا يتمنى مثل هذه الأنتشار في الشوارع والحوانيت، فيه إضعاف للغة الأم.
اللغة في ماهيتها مثل كائن حي، وأمنها يحميه أبناءها، لا وَهَن يُصيبها إذا حافظ أهلُها عليها. ولا غرو ذكر ما قاله ابن خلدون؛ أن اللغة هي أحد وجهي الفكر، فان لم تكن لنا لغة تامة صحيحة، فليس لنا فكر تام صريح، وكذلك صدح الفيلسوف الألماني هيدجر؛ أن لغتي هي مسكني، هي موطني ومستقري، هي حدود عالمي الحميم ومعلمة وتضاريسه، ومن خلال نوافذها ومن خلال عيونها أنظر إلى بقية ارجاء الكون الواسع.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |