العدد 6442
الخميس 04 يونيو 2026
خربشة ومغزى | “السَّماحةُ ،، تتجلَّى في التَّيسيرِ وعَدَمِ القَهرِ”
الأحد 08 فبراير 2026

السَّماحةُ تتجلَّى في التَّيسيرِ وعَدَمِ القَهرِ، وهي كذلك في دنيا الناس، ومن كان سمحا فهو مُيسر لغيره، ولا يقبل قهر أحد. وإذا قيل فلان سمح فهو سلس وسهل. وهكذا تعني كلمة المسّامحةُ أنها المساهلةُ، وفي اشتقاق اللفظ يُقال؛ سمَح ويسمَحُ سُموحاً وسماحةً أي هو جاد ويعطى، وموافق على ما أُريدَ منه. ولهذا من أُوتي السَّماحةُ فهو يبذلُ ما لا يجِبُ تفضُّلا، ومع الغير متَّسامُحِ في شؤون الحياة يُغلب عليه تيسيرِ الأمورِ والملاينة. ولهذا السَّماحةُ قرينة السُّهولةُ في المعنى. وقيل أن السَّماحةُ حُسنُ البِشرِ عندَ السُّؤالِ، واستقلالُ كثيرِ النَّوالِ.

ومزيد معنى في هذا، ما أورد عبدُ الرَّحمن الميدانيُّ في كتابه الأخلاق الإسلامية وأسُسُهَا؛ أن النَّفسُ السَّمحةُ كالأرضِ الطَّيِّبةِ الهيِّنةِ المستويةِ؛ فهي لكُلِّ ما يرادُ منها من خيرٍ صالحةٌ، إن أرَدْتَ عبورَها هانت، وإن أرَدتَ حَرْثَها وزراعتَها لانت، وإن أرَدْتَ البناءَ فيها سَهُلَت، وإن شِئتَ النَّومَ عليها تمهَّدَت.

ولكثرما أختلط معنى السَّماحةِ والعَفوِ، وهما يتداخلان في الدلالة، وإن كان العفوُ هو تَّجافي عن ذَّنبِ، أو كَفُّ ضَّرَرِ مع قُدرةِ عليه، حتى تشمل كُلُّ من استحَقَّ عقوبةً ثم تُركتَ وإبدلت بعفَو. ولهذا العفوُ تجاوُزٌ عن ذنبٍ وإسقاطُ عقوبةِ عن فاعِلِه، وتبقى السَّماحةُ معناها أعَمُّ من ذلك كما سبق.

وهناك طيف معنى تقوله العرب في مثل كما أورد صاحب كتاب جمهرة الأمثال أبي هلال العسكري(ت 395هـ) وهو قوله؛ "أسمحُ من لافظةٍ". وهذا فيه وصف مجاز  تخثر في بليغ دلالة، وهو مأخوذ من وصف الرَّحى التي تلفِظُ ما تطحَنُه، وكذلك ما يُقال في العنزُ أنَّها تُدعى للحَلبِ وهي تعتَلِفُ، فتُلقي ما في فِيها(فمها)وتُقبِلُ للحَلبِ، وبالمثل الحمامةُ أنَّها تخرِجُ ما في بطنِها لفَرخِها، أو الدِّيكُ يأخُذُ الحبَّةَ بمنقارِه فيُلقيها إلى الدَّجاجةِ. وكُلُّ هذا التشبيه يدخل في خُلق سَّخاءُ وجودُ، وهي من صفات المسّامحة، ولهذا السمح يقذف ما في جوفه من أذى الدنيا ويرقب أجر الأخرة عند ربّه.

وفي باب السّماحةُ والمسّامحة تبرز قصة يوسُفَ عليه السَّلامُ في مقابلةِ إساءةِ إخوتِه مع تمكُّنِه منهم. قال تعالى؛ "قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"

هنالك من يعتقد أنَّ السَّماحةَ مُطلَقةٌ لا حدودَ لها، وأنَّها في كلِّ شيءٍ، وهذا خطَأٌ؛ فهناك أمورٌ لا تسامُحَ فيها، ومنها إقامةُ جزاءات شرعية، ورد مظالم وحقوق بقضاء وعدل، ومحاسبة سلوك ومأثم متعدي أثرها في خيانة وغدر وزور، وما هو في ضرر الناس. ولذا لا تميِّع في مفهوم دعوى السّماحةِ، ولا تَّلاعُبِ بتعاليمِ قيم أو مِساسِ ثوابت.

قيل أن علاماتُ صاحب سماحةِ النَّفسِ؛ أنه طليق وَجهِ، يستقبل ببِشْرِ، ومشارك غيره بسَّمعِ وفِكرِ وقَلبِ، ومبادرةُ بتَّحيَّةِ وسَّلامِ ومصافحةِ وحُسنِ محادَثةِ، بل وحُسنُ مصاحبةِ ومعاشرةِ، وتَّغاضي، وعدَمُ تَّشدُّدِ في الأمورِ.

تراثنا فيه خزين قِيم ومعاني وسير وتراجم طالت معنى الـسّماحة، وأخذت وفير استدلال وتذكير، والتالي فيه مندوحة بعض أقوال منها ما رُوي عن الإمام عليّ رضي اللّه عنه أنه قال؛ "أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلّا ويده بيد اللّه يرفعه"، وكذلك قال محمّد بن المنكدر؛ "كان يقال إذا أراد اللّه بقوم خيرا أمّر عليهم خيارهم، وجعل أرزاقهم بأيدي سمحائهم"، وللشّافعيّ مقولة؛ "وعاشر بمعروف وسامح من أعتدى ودافع، ولكن بالّتي هي أحسن".

وهكذا الناس في النَّاسُ كالأرضِ، ومنها هُمُ من خَشنِ الطَّبعِ ومِن لَيِّنِ، وآخرون حَجَرٌ تَدمَى به أرجُلٌ، وإثمِدٌ يُجعَلُ في الأَعْيُنِ

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .