الأمثال عند العرب ثروة لُغويَّة وبلاغيَّة وأَدبيَّة، وهي موروث ممتد، شاعت في كلمات مُختَصَرة، فيها إيجاز معنى على أُمورٍ كُلِّيَّة مَبسوطة. وذاك هو أصلَ الأمْثال؛ أقوالٌ قِيلَت في مواقف مُعَيَّنةٍ، اشتهرت بالتداول، واتّسمت بالقبول، وجرت في وصف القائل على نَفْسِ الموقِفِ الَّذي جرى فيما سبق من موقِفُ أوَّل. وبمعنى آخر قول شائِعٌ بين النَّاسِ، يُشَبِّهونَ به حالةً مُعاصِرةً بحالةٍ قَديمةٍ أُطلِقَ فيها هذا المَثَلُ.
والأمثالُ قال عنها ابنُ عَبدِ رَبِّه في كتابه العقد الفريد واصفا؛ هي وَشْيُ الكَلامِ وجَوهَرُ اللَّفْظِ، وحَلْيُ المعاني، والَّتي تخيَّرَتْها العَرَبُ، وقدَّمَتْها العَجَمُ، ونطق بها كُلُّ زمانٍ وعلى كُلِّ لِسانٍ، فهي أبقى مِنَ الشِّعْرِ، وأشرَفُ مِنَ الخَطابةِ، لم يَسِرْ شَيءٌ مَسيرَها، ولا عَمَّ عُمومَها، حتَّى قيل؛ أَسْيَرُ مِن مَثَلٍ.
أما القَلَقْشَنْديُّ في كتابة صبح الأعشى ذكر؛ "فإذا أكثَرَ صاحِبُ هذه الصِّناعةِ مِن حِفْظِ الأمْثالِ السَّائِغِ استِعْمالُها، انقادت إليه معانيها، وسيقَت إليه ألفاظُها، في وَقتِ الاحتياجِ إلى نَظائِرِها مِنَ الوقائِعِ والأحوالِ، فأودَعَها في مكانِها، واستشهَدَ بها في مَوضِعِها، والطَّريقُ في استِعْمالِها في النَّثْرِ، كما في حَلِّ الأشعارِ واستِعْمالِها؛ إلَّا أنَّ الأمْثالَ لا يجوزُ تَبديلُ ألفاظِها، ولا تَغييرُ أوضاعِها؛ لأنَّها بذلك قد عُرِفَت واشتَهَرت".
وهكذا الأمثال تُعْطي الكَلامَ رَوعةَ ما تُعْطيه استِعارةُ وتَّصوير بيانيَّ مثلا قولهم؛ مِن خَيب مَسْعاه يقال له "رَجَع بخُفَّيْ حُنَيْنٍ". ويلزم لمن يتخير الأمثال في كلامه أو كتابته أن يعرف مَورِدَ كُلِّ مَثَلٍ ومَضْرِبَه، ويعي معناه.
ولأهمية الأمثال جمع كثير مِن العلماء أمْثالَ العَربِ ودوَّنوها في كُتُبٍ خَشيةَ الضَّياعِ، وهذه بعضها كِتابُ الأمْثالِ للمُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ، والأمْثالُ لأبي عُبيد القاسم بن سلّام، وجَمْهَرةُ الأمْثالِ لأبي هِلالٍ العَسْكريِّ، وكِتابُ مَجمَعِ الأمْثالِ للمَيْدانيِّ.
التالي ذكر بعض أمثال العرب؛
. "من عُرِف بفصاحةِ اللِّسانِ، لحَظَتْه العيونُ بالوَقارِ".
المصدر؛ المستطرف في كل فن مستظرف؛ شهاب الدين الأبشيهي(ت 850هـ).
. "مِلْحُهُ على ركْبَتَيْهِ"
يُضرب للرجل الذي يغضبه أدنى شئ، ويتغير الطبع عنده فجاءة، والمجاز في التشبيه أن الملح على الركبه ينفصل عنها حين القيام. والمثل كناية عن خفة وتموج في الطبع، وتقلب في الحال والموقف.
المصدر؛ كتاب الأمالي لأبي علي القالي(ت 356هـ).
. "نادِمٌ سادِمٌ"
وصف للإنسان المتغير العقل من الغمّ، والمُتحير والمُتحسر بندم لا يطيق ذهابا ولا مجيئا كأنه ممنوع من ذلك.
السادم؛ المهموم
المصدر؛ كتاب الفاخر في الأمثال مؤلفه المفضل بن سلمة بن عاصم (ت 290هـ).
. "لا تَطمَعْ في كلِّ ما تَسمَعْ"
مثل منسوي لأكثم بن صيفي التميمي، وهو حكيم العرب، ومن بُلغائهم في الجاهلية ثم اسلم، وأول من قال الحق أبلج والباطل لجلج.
المصدر؛ الفن ومذاهبه في النثر العربي لشوقي ضيف(ت 1426هـ)
. "الأكلُ سلَجانٌ، والقضاءُ ليَّانٌ"
المعنى يحمل وصف للإنسان أنه إذا أكل أسرع الإبتلاع فهو بلْعٌ، وإذا صار إلى القضاءِ لواهُ أي مطَلهُ.
المصدر؛ جمهرة الأمثال أبي هلال العسكري (ت 395هـ).
. "الغَريبُ النَّاصِحُ قَريبٌ، والقريبُ الغاشُّ بعيدٌ".
مثل منسوب أكثَمُ بنُ صَيفيٍّ التميمي
المصدر؛ أنساب الأشراف لمؤلفه البَلاَذُرِيّ(ت 279 هـ)، وهو أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البَلاَذُرِيّ البغدادي.
. "اِلتَبسَ الحابِلُ بالنابِلِ"
الحابِلُ؛ السَدى، والنابِلُ اللُّحْمَة
يُقال للقوم الذين اختلط عليهم الأمر والخيرُ بالشرِّ، والصحيحُ بالسقيم، حتى لا يعرفوا وجهة. وهذا يكون لمن وقع في دُهْمَةٍ وشوك.
المصدر؛ المُستقصى في الأمثال لأبي القاسم الزمخشري (ت 538هـ).
"أصَمُّ عَمَّا ساءَه سميعُ"
وهذا يُضرَبُ مَثَلًا للرَّجُلِ يتغافَلُ عمَّا يَكرَهُ، أي؛ يَسمَعُ الحَسَنَ ويَتصامَمُ عن القبيحِ، فِعلَ الرَّجُلِ الكريمِ.
المصدر؛ جمهرة الأمثال أبي هلال العسكري (ت 395هـ)
. قال أبن قتيبة الدينوري تقول العرب للشيءِ الذي لا يستقر، مثل وحكمة؛
"هو على رجلِ طائر، وبين مخالب طائر، وعلى قرن ظبْي".
المصدر؛ تأويل مُختلف الحديث لابن قتيبة(ت276هـ).
وختاما هنالك وفير من الشعر الذي سطر محاكاة أمثال العرب اشتهرت، ورد منها في كتاب نفح الطيب للمقري التلمساني(ت 1041هـ).
النَّاسُ كالأرضِ ومنها هُمُ
من خَشنِ الطَّبعِ ومِن لَيْنِ
فحَجَرٌ تَدمَى به أرجُلٌ
وإثمِدُ يُجعَلُ في الأَعْيُنِ
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |