اللُّغة العَربيَّة تُقْرض وتَقْترض، واللغات المنطوقة عند البشر يطالها ذلك.
واللُّغة العربيّة عبر الزمن لها تَّأثيرِ وتَّأثُّرِ، ولطالما شهد التاريخ تَميَّزُها عن غيرها. وغزارة الفاظها وتَعدُّدِ دَلالاتِها، وقد نزل القُرآن الكريم بها فخلَّدها.
تَعْريبُ الألفاظ الأعجمية قد استخدمته العَربُ قبل الإسلام في شعرها ونثرها، حتى أصبحت تلك الألفاظ عَربيَّة فصيحة. ولا غرابة أن تجد ألفاظُ مُعرَّبةُ في القُرآن الكريم.
ويعتبر التَّعريب من العلوم التي فيها تَّشَعُّبِ وتآليف وافرة، وهذا بعض من التآليف؛
كتاب المُعرَّبُ مِن الكَلامِ الأعْجَميِّ على حُروفِ المُعجَمِ للجواليقي (ت540هـ)، والمُهذَّبُ فيما وَقَعَ في القُرآنِ مِن المُعرَّبِ وكذلك الإتْقانُ في عُلومِ القُرآنِ وكليهما للسيوطي (ت911هـ)، والمُعرَّبُ في القُرآنِ الكَريمِ للدُّكْتورِ مُحمَّد السَّيِّد (2019م)، والتَّطوُّرُ النَّحْويُّ للُّغةِ العَربيَّةِ للمُسْتَشرِقِ الألْمانيِّ بِرْجِشْتِراسِر(ت1917م)، والمُعرَّبُ والدَّخيلُ للسَّبْحان(ت2023م)، وغَرائِبُ اللُّغةِ العَربيَّةِ لرَفائيل نَخْلة اليَسوعيِّ (ت1973م)، والقاموسُ السُّرْيانيُّ العَربيُّ لِلُويس كوستاز(ت1842م)، والأصلُ والبَيانُ في مُعرَّبِ القُرآنِ لحَمْزة فَتْح الله(ت1918م)، وقاموسُ الفارِسيَّةِ لعبْدِ النَّعيمِ مُحمَّد حَسَنَين، والألْفاظُ الفارِسيَّةُ المُعرَّبةُ للسَّيِّدِ أَدِّي شِير (ت1915م).
ومفهوم القول بعَربيَّةِ الألفاظِ بعد أن عَرَّبَتْها العرب، هو ترجيح أخذ به ومال إليه ابن جرير الطبري، والجواليقي، وابن الجوزي، وآخَرونَ مِن القُدَماءِ، وحتى شمل من المعاصرين الشيخ عبد القادر المغربيّ وغيره.
ولهذا ما عَرَّبَتْه العرب بلسانها وحَوَّلَتْه عن ألفاظ العَجَمِ إلى ألفاظِها، واختلطت بها حروف صار عَربيَّا.
ومن أقوال الأستاذ عبدالقادِر المغربيُّ في هذا الباب؛ إنَّ الكَلِمةَ الأعْجَميَّةَ إذا اسْتَعمَلَتْها العَربُ على مَناهِجِها أصْبَحَتْ عَربيَّةً، أو نقولُ؛ تَحوَّلَتْ عَربيَّةً بحيث يَصِحُّ أن ينزل بها الوحي الإلهيُّ، فمن قال؛ إنَّها عَربيَّةٌ كانَ صادقا، ومَن قالَ؛ إنَّها أعْجَميَّةٌ كانَ صادقا؛ فهي أعْجَميَّةٌ في الابْتِداءِ، عَربيَّةٌ في الانْتِهاءِ.
وهناك حالة حين يُؤدِّي تَعْريبُ الكلمة إلى أن تتَّفِق في لفظها معَ كلمة عَربيَّة تختلف معَها في المَعْنى، وتسمى هذه صورةٌ مِن صُوَر المُشترك اللَّفْظيِّ، والأمْثِلةُ عليها؛
كلمة سُور؛
ويعني السُّورُ هنا الحائِطُ في العَربيَّةِ، وهي من مُعرَّبٌ فارِسيٌّ له معنى يختلف حيث يُطلَقُ عندهم على نَوْعٍ من أنواع الطَّعام، ولهذا جاء وصف في حديث نبوي عن جابر بن عبدالله قُلتُ؛ يا رَسولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وطَحَنْتُ صَاعاً مِن شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أنْتَ ونَفَرٌ، فَصَاحَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَالَ؛ يا أهْلَ الخَنْدَقِ إنَّ جَابِرًا قدْ صَنَعَ سُؤْرًا، فَحَيَّ هَلًا بكُمْ.
أما كَلِمةُ زُور؛
هي في العَربيَّةِ تعني شهادة الباطل، وهو مُعرَّبٌ فارِسيٌّ ويعني؛ القُوَّةَ.
وكَلِمةُ حُبٍّ؛
في العَربيَّةِ معناها الوِدادُ، وهو مُعرَّبٌ فارِسيٌّ أصلُه حُنْب، وهو الجَرَّةُ الضَّخْمةُ.
وكذلك كَلِمةُ مَرْج؛
في العَربيَّةِ بمَعْنى القَلَقِ والاضْطِرابِ، وهي أيضا مُعرَّبةٌ مِن الفارسيّة، وأصْلُها مَرْغ تعني الأرْضُ الواسِعةُ الخَصيبةُ، يُقالُ: مَرَجَتِ الدَّابَّةُ، أي رَعَتِ المَرْجَ.
وكَلِمةُ عَسْكَر؛
والعَسْكَرةُ في العَربيَّةِ تَعْني الشِّدَّةَ والجَدْبَ، والعَسْكَرُ لفظ مُعرَّبٌ فارِسيٌّ أصْلُه لَشْكر، وهو مَجمَعُ الجيش، والجيش نفسه.
وقد يأتي هذا المشترك اللفظي بالخلطة والجوار بين البشر، حتى الجاحظ في البيان والتبيين قال؛ ألَا تَرى أنَّ أهْلَ المَدينةِ لمَّا نَزَلَ فيهم ناسٌ مِن الفُرْسِ في قَديمِ الدَّهْرِ عَلِقوا بألْفاظٍ مِن ألْفاظِهم، ولِذلك يُسمُّونَ البِطِّيخَ الخِرْبِزَ، ويُسمُّونَ السَّمِيطَ؛ الرَّزْدَقَ، ويُسمُّونَ المَصُوصَ؛ المَزُورَ، ويُسمُّونَ الشِّطْرنجَ؛ الأَشْتَرْنَجَ.
التالي بعض أمثلة لألفاظ دخلت العربية من المُعرَّبُ؛
الدَّهْقانُ؛
مَأخوذةٌ من دهگـان أو ده خان، و(ده) هو الإقْليمُ أو القَرْيةُ، و(خان) بمعنى رئيس، فيكون دهگان رَئيسُ القَرْيةِ.
المَرْزُبانُ؛
مُركَّبةٌ مِن مرز أي الإقْليمِ والوِلايةِ، و(بان)، هو صاحِبِ الشَّيءِ والدَّافِعِ عنه، وهو الرَّئيسُ المُقدَّمُ.
وكذلك الفَرْسخُ وأصْلُها الفارِسيُّ فرسگ.
النَّيْروزُ؛
وهو مُكوَّنٌ مِن جُزْأينِ نير أي جَديد، وروز بمعنى نَهار؛ فيكون نَيْروز النَّهار الجديد وهو أوَّلُ السَّنةِ.
الصَّوْلجانُ؛
وهو في الفارِسيَّةِ الحَديثةِ چـوگان بمعنى العُودُ المُعوَجُّ.
الجاموسُ؛
أصْلُها الفارِسيُّ گاوميش، مُشتَقَّةٌ مِن گاو أي البَقَرِ.
الدِّيباجُ؛
أصْلُه في الفَهْلويَّة وفي الفارِسيَّةِ الحَديثةِ ديباه أو ديبا، وهو الحَريرُ.
الإسْتَبْرَقُ؛
أصْلُها الفارِسيُّ اسْتَبَرْه أي نَسيجةٌ ثَخينةٌ ثُمَّ أُطلِقَتْ على الحَريرِ الغَليظِ.
الطَّيْلسانُ؛
أصْلُه الفارِسيُّ تالشان، وهو نَوْعٌ مِن الأكْسِيةِ.
هكذا اللُّغات فيما بينها تأخذ وتعطي وهذا ليس استثناءا في اللُّغة العَربيَّة، بل هو كذلك تاريخيا طال اللُّغةِ الآراميَّةِ والحَبَشيَّةِ، والفارِسيَّةِ واليونانيَّةِ، وفي مشهد عصرنا الحديث اللغات المنطوقة العالمية تزحف بفرائد مصطلحات تتشكل عبر التقنية والتوصيفات المعرفية، وزمام هذا التأثير لمن يكتنز ثراء لفظي، ويملك ابتكارات عابرة القارات.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |