العدد 6442
الخميس 04 يونيو 2026
خربشة ومغزى | خربشات عانقت قلمي ،، لأديب حذيق راسلني
الأحد 14 ديسمبر 2025

خربشات عانقت قلمي، لأديب حذيق راسلني، فيها تنوع أطياف اِنثنى له وجَدْي، وسحبني عند دواة ومبراة على صفيح ورق تبلّل فيه حرف، واِنثنى أصبع، والتصق نظر عدّ مسافات وفجوات. الكتابة مهنة لها شرف، والأولون واللاحقون منهم من يحتسب ولا يستعطي، وهذا ما ذيل التالي؛

الحبُّ كلمة لا تعدها قطرات مطر فُجَاءَةً، ولا تشبههه الألوان، يحبو بالمشاعر كطفل، وتولد معه كطفل.

تكبر في طرقاته، سُحبه تمطر فُجَاءَةً، وتتساقط الأحلام بقطراته. هكذا مشاعر لا هجاء لها تلمع في وسط الصحراء.

هنالك من يُحبون بصمت دون أن يجرحوا، أو يُوذوا أحد، كأنهم جناح فراشة أو سرب عصافير لا يفوتوا فرصة محبتهم.

أما حديث البَيْن أذكر موشح؛

كُلَّما فكرّ في البَيْن ِ

بكى ويحَه يبكي لِمَا لم يقعِ

ما لعيني عَشِيَتْ بالنّظرِ

أنكرَتْ بعدَك ضَوْءَ القمر

وإذا ما شِئتَ فاسمَعْ خَبري

عشيتْ عيناي من طول ِالبُكاء

وبكى بعضي على بعضي معي

هذا موشح أندلسي لإبن زهر الحفيد.

قيل الموشح هو طراز فني مأخوذ من وشاح يُلفّ على رأس ورقبة تصدح جواري به.

انتدح خصب خيال البُحُتري والرومي، وكليهما للمتذوق تعابير وجدانية.

أبن الرومي غرزه ذا أثر فلسفي يتموج في شعره، أما البحتري وثاب متدفق النزّعة، وفي الغزل هو بديع النسج يستوفي مدَرُّ مخيلة كشاعر طيف، كما فعل لمحبوبته بحلب؛

ويا مُدرِكَ عينيه ليقتلني

إنّي أخاف عليكَ العين من عيني

قلت للأديب حينما ذكر البرية بعد المطر؛ أن مرأى الربيع، وتلاوين النبت والزهر، وعبق الأرض وما حوت، والفياض التي انتثرت، ذاك جعل شاعر المعلقات عنترة بن شداد، وهو في تلك البقاع يحكي حنين محبوبته عَبْله حيث يقول؛

وتحُلُّ عَبْلةُ بالجِواءِ وأهلُنا

بالحزْنِ فالصَّمَّانِ فالمُتثَلَّمِ

حديث جرى عن هودج الأبل فذكرت؛ الإبل أُمثولة عند العرب، وما أجمل ما في اشتياق صبا عمرو بن كلثوم في صاحبته راكبة هودجها، وحادي يحدو بالإبل مفارقه، أربكته فتنة مشهد البُعد، فاغتم وكأن حاله يشبه حزن ناقة ضاع صغيرها (سقْب) في الفلاة تندب حنين الفقد فقال؛

وجدت كوجْدي أُمُّ سقُبٍ

أضلّته فرجّعتِ الحنينا

ومزيد عن الجِمَال التي قيل عنها طبعها يتأثر بالحداء يُستخف معها أحمال ثقيلة، ويُستقصر طويل مسافات، بل يبعث نشاطا يُسكرها ويُولهها، حتى إذا اعتراها إعياء تمد أعناقها للحادي، تُسرع حتى تتزعزع محاملها، وهي لا تشعر به لانسجامها، وما ذاك إلا أنها تعشق نغمة الحادي.

كان هناك تناول لجلال الدين الرومي وما في سيرته، حتى قلت أن الرومي مُتعلم من محيي الدين بن عربي الأندلسي، العَلَم في تاريخ التصوف. والرومي ترسبت أفكاره في المثنوي، عنده خصب خيال لفظي، زخرت كُتب التراجم بما له وما عليه. والتصوف كمثل من يمشي بين أشواك يبتغي الوجد والزهد والورع، وتسقطه الشطحات، لدلالات تأويلاتها تفتح جدلا ونقدا.

أما ما قيل عن طراوة لفظ نَبَتَ وتَبَرْعم، لأبي الطيب المتنبي، فهو ينحت أثر في تطويع الإعراب والتفعيلة ومتلازمة الوصف، وابراهيم العريض في كتابه"فن المتنبي بعد الف عام"، وصفه كأحد مراجع حديقة أدبية سياجها التاريخ، وأرضها تربة زرعت قوادم لدراسات نقدية لشعر المتنبي. والجزيرة العربية بستان الشعراء

جميل ما ذُكر عن الهمّة فكتبت أن هذا أورد عندي أن طالب المعالي تلزمه يقظة، ولها مقامات، أشبع وصفها الفهامة الهروي من أعلام القرن الخامس هجري في مدونته التحفة منازل السائرين، فتق خيوطها بِرُتّب ثلاث تندس في بواطن النفس. صنعة شغفها اِرتقاء مفاهيم، وتبصر حكمة، ونُضج باطن لإكمال ظاهر. مضمون فيه صفاء تفرس، وشغف مراقي.

بوح كلام له أثير وتأثير، اوقفني فيه اقتناص قول أن"التفكر حالةٌ حيوية متصلة". هي حقاً كذلك، تتبطن تأمل، وتوقد بسعي في عوالم ممكنة أو محتملة في الإنسان نفسه، أو في البيئة المحيطة به أو في الكون الواسع البعيد عنه غاية البعد، ولا أخال المعارف ومراقي النهوض والتجربة الحياتية إلا من تلك المشكاة.

لاح في كلام صديقنا برادايم، دفعني أن اقول أن هذا مصطلح لاتيني، ويعني النموذج أُستخدم أواسط القرن العشرين. والبارادايم يعني خبرات ومعلومات ومكتسبات ومعتقدات وأنظمة ترسم حدود تصرف الإنسان في المواقف المختلفة، وقد تجعله يرى الأمور بغير حقيقتها، وهو أحد أسباب اختلاف نظرات البشر للأشياء. ولهذا يتطلب مراجعه وتغيير مع الزمن لأفق أوسع.

أما ما جرى في حاجاتنا الموضوعية في النظر للأمور فتم القول، أنه لا نظلم أنفسنا كثيرا رغم محتومية قدرنا، وأن ننهض بانفسنا ونبتعد بالتفكير عن مظلة المؤامره وقلة الحيلة، وفي المقابل لا نقلل أو نرفع قدر الذئاب لأنها تبحث عن فرائسها وهذا غريزي.

وتبقى الذئاب تحذر الراعي الحذق والرعية التي لا تتفرق.

هنالك من الناس يُوصف أنه؛

ليس بأوسعهم في الغنى ولكن معروفه أوسع أو هو؛

ولم يك أكثر الفتيان مالا

ولكن كان أرحبهم ذراعا

فطوبى لهؤلاء المحمدة

شاعر الخليج خالد الفرج طاله الحديث فذُكرت له ملحمية عن الملك عبدالعزيز حيث وصفه؛

وما فتحت عيناك إلا على علىً

من المجد لا تألو لها تتطلب

ولم يكفك الميراث حتى استعدته

وعزمك كالفولاذ بل هو أصلب

فأحييت ما عبدالعزيز أقامه

على أن هذا الوقت من ذاك أصعب

دمار المدن آفة ظلم بشري، وهذا قديم الحدوث، وما مرثية أور السومرية إلا احدها حينما نهشتها عوارض الزمن، فما برحت تخاطب اهلها أن لا يديروا الوجه عنها، وينتشلوها من وحشتها، وضمها بين الذراعين ليعلو اسمها مجددا ويتكاثر اهلها، مدينة قلبها يبكي، وناي القصب فيها ينوح. مرثية درّت بمعاني، وكأنها تُحاكي بعض مدن اليوم

قلت مره لهذا الأديب الأريب؛ طاب منك التدوين، حين مدحت أحدهم، وكأن وصفه ترائى لي؛

إذا ما أتاه السائلون توقدت

عليه مصابيح الطلاقة والبشر

يعجبني أصحاب التراجم الذي إذا ترجم لإحدهم، يُلملم الحكاية بانسجام، ويضفي تشويقا لوحدة الموضوع وهو مشدود، ليس وراءه أذيالا مقطوعة وأخرى متدلية، حتى تقول كيفَ جمعها ولحنه مختالٌ ونايُه أروعُ.

سرقة مخطوطات تراثنا الوافر مر في أوقات غفله ولواعج الزمن، وقد أُكتنزته عديد مكتبات اوروبا وأمريكا وغيرها من البلدان، بعضه منهوب، وكثير تشتت عبر حالات ضعف، وموجات فوضى اكتنفت جغرافية العرب المسلمين، تلك حكمة لها سِّرُّها.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية