العدد 6442
الخميس 04 يونيو 2026
خربشة ومغزى.. "البُحتُريّ ،، شاعر طيف يلُوب حوله كالفراشة"
الأحد 30 نوفمبر 2025

البُحتُريّ شاعر طيف يلُوب حوله كالفراشة، مغناج يبث لواعج الغرام كروح ظمأى لجمال سراب، فصيح نقي الكلام، أخذ لقبه من جده بُحتُر وهم بطن من قبيلة طيء، وأسمه الوليد بن عبيد التنوخي الطائي، عاش القرن الثالث هجري، وشيخه أبي تمام التقاه في حُمُّص. البُحتُريّ يمَّم وجه شطر بغداد دار الخلافة العباسية، فمكث فيها سنين ولمع، وأبلج أحسن قصائده، فعرفه الحكام والوزراء والوجهاء، وأصبح في بلاط المتوكّل، بعدها رجع إلى بلاد منبج قرب حلب حيث ولادته وموطنه، وأُسدل الستار عليه حيث مات، وذلك في حكم المعتمد في بلده منبج عام 897م.

قال عنه ابن حزم؛

إنَّ للشعراء في علّة مزار الطيف أقاويل بديعة بعيدة المرمی، ومنهم البُحتُريّ الذي جعل علّة إقباله إستضاءته بنار وجده وعلّة زواله خوف الغرق في دموعه.

كقول؛

وإنّي وإن ضَنَّت عَلَیَّ بِوُدّها

لأَرتاحُ منها لِلخَیالِ المُؤرّقُ

یَعزُّ علی الواشین لو یعلَمونَها

لَیالٍ لَنا تَزدادُ فیها ونَلتَقي

وحين خاطب طيف محبوبته علوة وهو أشيب قال؛

وما أَنسَ لا أنسَ عهدَ الشبَابِ

وعَلوةَ إذ عَیَّرَتنِي الکِبَر

کواکبُ شَیبٍ عَلِقنَ الصِبَی

فَقَلّلنَ مِـن حُسنِه ما کَثُر

وإنّي وَجَدتُ فَلا تَکذِبَنَّ

سَوادَ الهوی في بَیَاضِ الشَعَر

أما ذكر الوفاء عنده فله معنى؛

قَد فقَدْنا الوَفاءَ فَقدَ الحَميمِ

وَبَكَينَا العُلَى بُكَاءَ الرّسُومِ

لا أُمِلُّ الزّمَانَ ذَمّاً، وَحَسْبي

شُغُلاً أنْ ذَمَمْتُ كُلّ ذَميمِ

أتَظُنُّ الغِنَى ثَوَاباً لِذِي الهِمّةِ

مِنْ وَقْفَةٍ بِبَابِ لَئِيمِ

وَأرَى عِنْدَ خَجْلَةِ الرّدّ منّي

خَطَراً في السّؤالِ، جِدَّ عَظيمِ

هكذا البُحتُريّ زف في الآفاق شهرة، تطرق الأسماع والإمتاع، بديع النضد، خصب الخيال. دمث في صنعة الكلام دونما كلفة ومشقة.

ديوان البُحتُريّ فيه غرز غزل وصبابة ومدح وإعتذار، ونضح في طياته حبّ علوة، وهي فتاة من قرية بجوار حلب تسمى بطياس، لا تغيب عن باله. وهذا ما سقى به طينة شعرة عنها؛

خَيالٌ يَعتَريني في المَنامِ

لِسَكرى اللَحظِ فاتِنَةِ القَوامِ

لِعَلوَةَ إِنَّها شَجَنٌ لِنَفسي

وَبَلبالٌ لِقَلبي المُستَهامِ

إِذا سَفَرَت رَأَيتَ الظَرفَ بَحتاً

وَنارَ الحُسنِ ساطِعَةَ الضِرامِ

تَظُنُّ البَرقَ مُعتَرِضاً إِذا ما

جَلا عَن ثَغرِها حُسنُ اِبتِسامِ

كَنورِ الأُقحُوانِ جَلاهُ طَلٌّ

وَسِمطِ الدُرِّ فُصِّلَ في النِظامِ

العصر العباسي زهى فيه طبقة شعراء استفردوا في حقبة قلّ مثيلها، والبُحتُريّ أحدهم. وكان إرثه الشعري غزير معاني في مدح وفخر ورثاء وهجاء وحكمة ووصف وغزل. قيل عنه أنه من أروع من كتب في الغزل العربي، وهذه بعض منها عن علوة؛

أُخفي هَوىً لَكِ في الضُلوعِ وَأُظهِرُ

وَأُلامُ في كَمَدٍ عَلَيكِ وَأُعذَرُ

وَأَراكِ خُنتِ عَلى النَوى مَن لَم يَخُن

عَهدَ الهَوى وَهَجَرتِ مَن لا يَهجُرُ

وَطَلَبتُ مِنكِ مَوَدَّةً لَم أُعطَها

إِنَّ المُعَنّى طالِبٌ لا يَظفَرُ

هَل دَينُ عَلوَةَ يُستَطاعُ فَيُقتَضى

أَم ظُلمُ عَلوَةَ يَستَفيقُ فَيُقصِرُ

بَيضاءُ يُعطيكَ القَضيبُ قَوامَها

وَيُريكَ عَينَيها الغَزالُ الأَحوَرُ

تَمشي فَتَحكُمُ في القُلوبِ بِدَلِّها

وَتَميسُ في ظِلِّ الشَبابِ فَتَخطِرُ

وَتَميلُ مِن لينِ الصِبا فَيُقيمُها

قَدٌّ يُؤَنَّثُ تارَةً وَيُذَكَّرُ

تلك أطياف متقده وأناقة شعرية في منبج مع علوة الحلبية، لوحة مرسومة بعشق دفين بين الضلوع، وهي تتهادى في خياله.

عدّه أبو تمام إنّه خليفته من بعده، وقال؛ أَنْتَ أَمير الشّعر بعدي.

فسُرَّ بذلك، وهكذا هو البُحتُريّ سُميت قصائده بسلاسل الذهب، وقد وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء أنه شاعر الوقت، وكذلك نقل عن المُبَرِّدُ صاحب كتاب الكامل في اللغة والأدب قوله؛ أَنشدنَا شَاعر دَهْره، وَنسيجُ وَحدِه، أَبُوعُبَادَة البُحتُريّ.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية