الحيوان بعضه آكل وبعضه مأكول، فالآكل اكثر حيلة وأبلغ مكيدة، والمأكول أكثر خوفا وأشد تحفظا.
هذا ناموس غريزي في الأحياء، وفيه مغزى توازن عددي في بيئة الكائنات، وسرّه بقاء وتكاثر في المخلوقات، ولله حكمة في ذلك.
الحيوانات لها طباع تتوارثها، وشغف تزاوج وتناسل، وبينها مدافعة تنافس في حفظ مجاميع سلالاتها، وفي هذا إحتماء ممن هو أقوى منها، لأن القوي فيها يأكل ضعيفها، ولكثرما الحيوان البري يُهاجر في طلب قوته.
هكذا هي طبيعتها، ودوافع غرائزها، وبني أدم هم يُجانسوا نسبيا الكائنات الحية في طبائع وصفات. ولذا هنالك مندوحة تماثل سلوكيات. ولعلّ التالي فيه بعض مقاربة؛
البشر منهم من يحمل بعض خصال الخيل محمود الذكر والوصف، كما ورد في الهدي النبوي؛ الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلى يومِ القيامةِ، وآخر يكون حليما لينا مثل الغنم التي أخبر عنها النبي ﷺ؛ أن السكينة والوقار في أهل الغنم؛ لأنهم بمعاشرتهم لها قد اكتسبوا شيئاً من صفاتها، وهذا شيء يعرفه أهل البراري والحقول.
ومن الناس بَطين أكول يحمل خصال شهوة لا يُبالي ما يملئ به بطنه، قد يكون كحال كلب حينما يرى جيفة تشبع أنفه وقع عليها وحماها من سائر الكلاب، ونبح في وجه كل من يدنو منها، وهمه شبع بطنه من أي طعام ميت أو مُذكى، لا يبالي طيبا أو خبيثا، يقع على أي شيء، ولا يستحي من فعله. وهذا حال كلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، إن أطعمته بصبص بذنبه، ودار حولك، وإن منعته هرك ونبحك.
ومذمة طبع أُخرى تصيب بعض بشر يُقارب طبع خنزير، يمر بطيبات فلا يلوي عليها، بل يألف خبائث ونجاسات ونتن، سجية خنزير لا يميز بين ما يرى ويفعل، وكلها عنده سواء. وهذا يقع عند بعض أُناس لا يفرقوا بين إحسان ومعروف وعيب ومذموم.
وهناك من عنده طبع طاووس يختال ويتفاخر ويتكبر على الغير كما يختال الطاووس في مشيته، ويتزين بريش ظاهر ينتفخ وينتفش به، وله باطن خالي من طيب خِصال حتى إذا بلغ ذروة خيلاءه يحتقر غيره.
ومن الناس من أنطوت قلوبهم على حقد عظيم، فهم يشابهون الجمل، غليظ كبده، لا ينسى ثأره، يظل يتذكره. وفي المقابل ترى من هو أليف ينسى إساءة من أساء إليه، ويتسامح ويُسامح دون إطالة.
وبعض بشر نفوسهم سامة كالعقرب حين تلدغ تجد راحة في إبقاء زعاف سمها داخل جسد الغير، وهذا ما يعتري الأنسان في حرارة حسده حين يتمنى زوال نعمة غيره لتستريح نفسه.
وطبيعة اخرى من له نفس حمارية أبكم، وكأن الكدّ والعلف سجيته، فإذا زُيِّد علفه كثر كدّه. أما من كان سبعي الصفة في غضبه فينقض كالأسد ويفترس، ويُوظف ذكاءه وخبرته وقوته مع فرائسه. والطبيعة الفأرية تفسد ما جاورها كطعام وشراب يقع فيه حتى يأف صاحبه عنه.
كلُّ ما تم وصفة بين الحيوان والإنسان له تنساب وتقارب، وفيه عبرة تفتيش طبائع وخصال، حميد وسقيم، والمُعتبر من ينشد كمال، ويتبع فطرة سوية. وهكذا البشر تتنوع فيهم طباع، فيها غالب ومغلوب وآكل ومأكول. وناموس العيش لها دوام وتقلب احوال. حكمة بالغة باعثة للتأمل.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |