العدد 6442
الخميس 04 يونيو 2026
خربشة ومغزى | "الغَدرُ والعَهدُ ،، دلالة لُغويّة واِصطلاحيّة"
الأحد 25 يناير 2026

الغَدرُ والعَهدُ دلالة لغويّة واِصطلاحيّة، عنوان فيه استشراف لمعناهما وما يحوط تفسيرهما، فالغَدرُ ضِدُّ الوفاء بالعَهدِ، وغَدَرَ هو فعل كنَصر وضَرب وسَمِع، ويُقال غَدْراً وغَدَراناً مفعولا مؤكدا للفعل، أي إذا نَقضَ عَهدَه وتَرك الوفاءَ، وفاعل الغدر هو غَدورٌ وغَدَّارٌ وغَدَّارةٌ.

أورد الجاحظ في كتابه تهذيب الأخلاق؛ أن الغدر هو الرُّجوعُ عمَّا يبذُلُه الإنسانُ من نفسِه ويضمَنُ الوفاءَ به. وبالمثل المناوي في كتابه التوقيف في مهمات التعاريف قال؛ "الغَدرُ نَقضُ العهدِ والإخلالُ بالشَّيءِ وتَركُه. والغدر نَقضُ العَهدِ مُطلقًا في لحظةٍ لم تكُنْ متوقَّعةً ولا منتَظَرةً".

ولطالما الغدر يدخله مَكْر، وقد يكونُ المكرُ ابتداءً يسبق الغدر الذي فيه نقض عَهدٍ، وهذا مذوم ومأثوم لأنه خيانةَ تُفعل سِرّاً أو جهْراً.

أما العَهدُ فيعني الوصيَّةُ والأمانُ والمَوثِقُ والذِّمَّةُ، وإذا أُعطي لأحدهم فهو يَدخُلُ الأمانِ. ومن فعل ذلك فهو ذو عَهد ومُعاهَد. ومن ذلك يُقال لمن تولى أمراً وولاية؛ إذا قطع بعهد صانه وأحتفظ به ورعاه ذمة وإن تبدل الحال. وهذا يشمل ما بينَه وبَينَ اللهِ تعالى، أو فيما بينَه وبَينَ النَّاسِ.

والنقض في اللغة هو ضِدُّ الإبرامِ، وإفسادُ وهدم ما أبرَمْتَ من عَقدٍ أو بناءٍ، ونَقض الشَّيءَ نَقضا بمعنى أفسَدَه بعدَ إحكامِه. وفي التشبيه أن نَقضَ البِناءَ هو هَدمَه، ونَقضَ الحَبلَ أو الغَزلَ أي حَلَّ طاقاتِه ونكثه، وفي مجاز آيه قرآنية"وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ" قال ابنُ عَطيَّةَ الأندلسي في كتاب تَفسيرِه المحرر والوجيز؛ شَبَّهَت هذه الآيةُ الذي يَحلفُ أو يُعاهِدُ أو يُبرِمُ عُقدةً بالمرأةِ التي تَغزِلُ غَزْلَها وتَفتِلُه مُحكَماً، وشَبَّه الذي يَنقُضُ عَهدَه بعدَ الإحكامِ بتلك الغازِلةِ إذا نَقَضَت قُوى ذلك الغَزلِ، فحَلَّتْه بعدَ إبرامِه.

هنالك بعض حالات تصف من كان نقاض العهد ومُخلف الوعد منها؛

أنه كاذب في تَّعبيرُه مُنذُ إعطاءِه الوعدِ أو العَهدِ، وبهذا فهو يَحمِلُ رَذيلةَ الإخلافِ المستَنِدِ إلى أثم الكَذِبِ. وحالة أُخرى أنه ضعيف الإراده وقليل الثبات بشرف كلامه حينما ينَّكثُ وينَّقضُ لما أبرَمَ والتَزَمَ به من وعَدٍ وعَهدٍ، وهذا سلوك ينَّبذِه العقلاء. وغيرها حالة عَجز عن الوفاءِ لأسباب ليست بيده مع صِدقِ رغبته وحِرصِه على الإيفاء، وهذا يُعذر لعَدَمِ استِطاعَتِه. ومثلها حالةُ النِّسيانِ وهو كان عازم على الوفاء، يشبه حكمه كُلَّ واجِبٍ أو مُستَحَبٍّ تَنطَبِقُ عليها أحكامُ النِّسيانِ العامَّةِ. ويبقى صاحب العهد والوعد يلزمه صدق وعزم على الوفاءِ ما لم يَمنَعْه مانِعٌ من التَّنفيذِ يُعذَرُ به.

ما أوجع ما تقلُّ به الذمم من غدر ونقض عهد حين يطمح أحدهم ويترح في لباس أوسع منه، فينفخ جمر ليلَّهب، ويذرّ رماد ليُعشي نظر، كثعبان يتقلب لاَنَ ملْمَسه وفي أنيابه عَطِب، ذاك هوس همينة واستِنزاف جهد، وتلويث سلوك، وهو وهَمٌ تُبطَّله نواميس الضوء والحقيقة. ولنا فيما أورد الأبشيهيُّ في كتابه المستطرف نذير إذ قال؛ وكَم أوقَعَ القدرُ في المهالكِ من غادَر، وضاقَت عليه من مَوارِدِ الهلَكاتِ فسيحاتُ المصادِر، وطَوَّقَه غَدرُه طَوقَ خِزيٍ، فهو على فَكِّه غَيرُ قادِر.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية