العدد 6442
الخميس 04 يونيو 2026
خربشة ومغزى | "السَّمْتُ ،، هيئة ووقار ونهج"
الأحد 22 فبراير 2026

 

السَّمْتُ هيئة ووقار ونهج، ومفخرة في دنيا الناس، وبه تزهو طِبَاع زينة وهيبة. وبعض السَّمت هبة فطرية، وأخر منه يُكتَسب  بتعلّم وإقتداء، والسَّمْت يتعذر لمن غلبتة رديء خصال ونوايا. وفي اللغة إذا قيل؛سَمَت فهذا يدُلُّ على معنى نهج وقصد وطريقة، وسَمَت سَمْتَه أي قصَد قصْدَه ونحا نحوَه. ولهذا السَّمْتُ هو السِّيرةُ والهيئةُ والطَّريقةُ، وفي معناه الإصطلاحي اتِّباعُ الحقِّ والهَديِ، وحُسن الجوارِ، وقِلَّة الأذيَّةِ، وصاحبه مستقيمَ الطَّريقةِ والقصد متحَرِّيا فِعلِ الخيرِ. وخلاصة القول أن السَّمْت يُعتبر جاذب في هيئة ومنظَرِ وزّينة وخُلُق، ومرأه يُوحي إلى أهلِ الخيرِ بمَنظَر وطريقة فيها هدايه ورزانة.

والحديث عن السَّمْت فيه تفصيل وافر حملته مرويات تراثنا منها مثلا؛ ما رُوِيَ عن عبدالله بن عباس أن السَّمْتُ الحَسَنُ هو السِّيما، وعلامته الخُشوعُ يبدو على الوَجهِ. وذكر ابن بطَّال وهو فقيه مالكي أندلسي أن صاحب السَّمْت هو من يكونَ له هيئةُ أهلِ الخيرِ ومنظَرُهم. وغيرهم عرّف السَّمْت هو تحَرِّي طُرُقِ خير، وتَّزَيِّي بزِيِّ صَّالحين، وتَّنَزُّهِ عن معائِبِ ظَّاهِرةِ وباطِنةِ، وهو حسن في مظهَرِ خارجيِّ وطريقةِ حديثِ وصَّمتِ، وحركةِ وسُّكونِ، ودُّخولِ وخُروجِ، وسِّيرةِ عَمَليَّةِ بحيثُ يستطيعُ مَن يراه أو يسمَعُه أن ينسُبَه لأهلِ الخيرِ والصَّلاحِ والدِّيانةِ والفلاحِ.

ومن الأقوال كذلك عن السَّمْت ما رواه عبدالله بن مسعود رَضِيَ اللهُ عنه فيما يتردد؛ وأحسَنُ الهَدْيِ هَديُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمقصود في الهَدْيُ هو السَّمْتُ والدَّلُّ، ويعني بهذا الحَضَّ على لزومِ ما كان عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَمتِه ودَلِّه ولُبستِه ومِشيتِه، وغيرِ ذلك من سُنَنِه. نص ذلك أبن هبيرة في كتابه الإفصاح عن معاني الصحاح. ومن الاستدلال في هذا السياق ما أورده كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر عن ابنِ أبي أُوَيسٍ قال؛ سمِعتُ خالي مالك بن أنس يقولُ؛ كانت أمي تُلبِسُني الثِّيابَ وتُعَمِّمُني وأنا صبيٌّ، وتوجِّهُني إلى ربيعة بن أبي عبدالرحمن وتقولُ؛ يا بُنَيَّ ائتِ مجلِسَ ربيعة فتعَلَّمْ من سَمتِه وأدَبِه قبل أن تتعَلَّمَ من حديثِه وفِقهِه. ومثل هذا قال ابنُ وهبٍ كما أشار القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك أن الذي تعَلَّمْنا من أدَبِ مالكا أكثَرُ ممَّا تعَلَّمْنا من عِلمِه.

الهدي القرآني لوح كذلك في دلالة السَّمْت في قوله تعالى؛ "وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ". رُوِيَ عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ وابن عبّاس رَضِيَ اللَّهُ عنهما تفسير هذه الآيه كما جاء عن ابن جرير الطبري في جامع البيان أن لباسُ التَّقوى هو السَّمْتُ الحَسَنُ.

هناك تداخل معنى بين السَّمْت والوقار حتى قال بعضهم؛ إنَّ السَّمْتَ هو حُسنُ السُّكوت، أو هو كالصَّمت، فأُبدل الصَّادُ سيناً، وهو يدل على حُسنَ الطَّريقةِ واستواءَها، وأن الوقارَ داخل في دلالة السَّمْتِ والهَدْيُ والدَّلُّ، وهذه معاني قريبة من بعضها. لذا السَّمْت من الشمائِلَ ويطال مضمونه حَرَكةِ ومشيِ وتَّصرُّفِ، وحِشمةُ وسَّترُ، وسَّلامةُ من خوارِمِ مروءةِ، وتُّؤَدةُ وسَّكينةُ وأناةُ، وصَّمتُ عمَّا لا يعني. وكُلّ هذا يُكسِبُ صاحِبَه هيبة ووقارا، ويوضَعُ له قَبولُ في الأرضِ، ويُحِبُّه العقلاء وعامة الناس.

أما ما يعيق أكتساب السَّمْت عند الإنسان؛ هو مجالسة ردىء صفات من لا يُحتشم عند النَّاسِ، أو من له إدمان مُزاح مداوم عليه لأنه يهون في النظر وتُنزع منه مهابةِ، وكذلك من ولع في هواه معصية وظُلمةٌ تظهَرَ في عَينِ، وتعلوَ وجهَ حتى تصير سوادا يراه كُلُّ أحدٍ.

رمضان ميدان روحاني فيه فيوضات ونفحات لمن أبتغى مراقي صفات، وصدق نوايا في تغليب تطبّع على تهذيب طبع، والسّمت أحدها. وابن الجوزي يُنادي في وصية له في تحفته كتاب التبصرة؛

إذا أعجَبَتْك خِصالُ امرئٍ

فكُنْه يكُنْ منك ما يُعجِبُك

فليس على الجُودِ والمَكْرُماتِ

إذا جِئْتَها حاجِبٌ يحجُبُك

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .