العدد 6442
الخميس 04 يونيو 2026
خربشة ومغزى | "إيران دولة ثيوقراطية ،، ومستودع بارود"
الثلاثاء 03 مارس 2026

 

إيران دولة ثيوقراطية بمرجعية ولاية الفقيه وهذا في قماشة دستورها، ومستودع بارود كما وصفها الفرنسي أدور سابيليه في كتابه إيران مستودع البارود، وهذا سياق منذ ثورتها، وهي الآن تصارع قدرها وتحدياتها داخل حدودها الجغرافية وخارجها.

طلاوة أحلامها هو محاكاة إرثها الإمبراطوري الفارسي القديم. طوعت آمالها في غطاء تمذهب، واحترفت ميكيافيلية اسلوبا تُبرر وسائلها لتصدير ثورتها، وكأن بهذا صدى يتردد عند بعض دهاقنتهم ونُخبهم تكرار علو لنفوذ أخميني وساساني. مشهد لا يبرح دهقنة دهاء ومكر، وازدواجية سلوك وقع ضحيته أتباع لم يدركوا أنهم أدوات وملاقط يستغنى عنهم في شدائد أزمات وتغليب موازنات. 

إيران مارست مفهوم تصدير الثورة كنهج سياسي شهد ذروته وعنفوانه حينما تمدد غِيلة خارج حدود دولته، فآذى غيره، وهدر ثروة حالت بين آمال مواطنيه داخل جغرافيته، بل وحرمه من تنافسية مدنية إقتصادية حرة وسلمية.

ثورة كثر فيها حرمان، وإقصاء تنوير وتمدد إزدهار، ما برح في صلف تعامل وإقصاء مع  أعراق هم أصلاء في أرضهم ومكانهم. وهكذا هي إيران الثورة عسكرة، وطموح تصنيع أسلحة دفع استقواء شهده العالم طيلة عقود مضت.

 

التاريخ له إعتبار والبقاء هو لما ينفع الناس ويمكث في الأرض، ولطالما الزبد يذهب جفاء، وما تفعله إيران في إيذاء جيرانها هو عدوان يضمر كيد ونكث عهود، مقابل نوايا صادقة وسلم مدني وتوجه حميد معها. تعجب لهذا التثوير الإيراني والتقصّد في إخلال الأمن، وتدمير المباني والمنشأت. عمل فيه فقدان بوصلة وشرود في أهداف، وخلط حابل بنابل، وعداء مقصود لا أمل له في صعود، سيخطّ سواده الأظلم، والتاريخ لا يرحم والبادي أظلم. ومهما بلغ الفعل فهو نطحة او نطحتان ثم لا قوة بعدها، وخسارة سمعة وجوار.

العرب تقول؛ كلمة نَطحة وجمعها نطحات معناها ضَرْبة ودفعه وإزاله، وتشار احيانا إلى ما يفعله الكبش والتيس والعنْز، ويقتاس من ذلك تناطحت الأمواج والسيول والرجال في الحرب.

التاريخ له عِبرة، وأحيانا يتكرر، ومن درس الإمبراطوريات الفارسيّة التي ظهرت وسادت، أولها كانت الأخمينية ما قبل الميلاد، والتي تمكن من اسقاطها الاسكندر المقدوني، وآخرها الامبراطورية الساسانية التي أزاحها العرب المسلمون في معركتي القادسية ونهاوند. ولم يُقم للفُرْس بعدها امبراطورية ذات توسع ونفوذ مطلق تناطح قوى كُبرى.

سُنن التاريخ ونواميس التدافع بين الأمم لها اعتبار وتكرار، والحرب الحالية ليست استثناء ،وما تم عبر الأزمان سيدق جرسة مرة اخرى كما ترسب في ذاكرة البشر. وما تفعله الحروب والعدوان لا يضيف للحضارة الإنسانية تمدناً وإثراءاً.

الدارسون لصفات الأمم والأعراق وسياقات النهوض والهزيمة دوّنوا مناقب وآفات ولا يُستثنى منها أحد، ولموضوع المقال نذكر مثلا ما طرحه عن الشخصية الإيرانية ومكوناتها الأمريكي جاك ميلوك ضمن كتابه الثورة الإيرانية والتمدن الحديث، وقد استخلصها من بحث تجريبي قام به الأستاذ الأمريكي مارفن زونيس أجراه على ثلاثمائة شخصية إيرانية تمثل نخبة سياسية إيرانية داخل الحكم أو خارجه فيها استبيانات، وكذلك اضاف اليها جاك ميلوك دراسة مفصلة اخرى تم عملها سنة 1964 مِنْ قبل معهد الإيمان والدراسات الاجتماعية في جامعة طهران.

خلاصة ما ذكرة جاك ميلوك من كلا الدراستين وتضمنها كتابه الثورة الإيرانية والتمدن الحديث، أن هناك أربع خصائص تنتصب واضحه للشخصية الإيرانية الفارسية المتوارثة.

اولا؛

الإيمان بأن السلوك البشري تهيمن عليه

المصالح الذاتية وحدها

ثانيا؛

سوء الظن أو الارتياب ملازم حين التفكير بالغير

ثالثا؛

القلق وعدم الاستقرار

رابعا؛

الاستغلال الشخصي للأفراد بعضهم البعض

وكذلك فعل الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان الذي له عِدّة كتب منشوره ،والفرنسي أدور سابيليه في كتابه إيران مستودع البارود، وكذلك بحث قام به المؤرخ العراقي الأستاذ عماد عبد السلام رؤوف في مقدمة كتابه الصراع العراقي الفارسي، وكلّ المصادر أسهبت في تحليل الصفات والتي تحوم حول الغدر والشك وسوء الظن، والشعور بالتفوق لحد الغطرسة وانتقاص الاخر، ومهارة التدليس والخدع الباطنية، والملق المتلون والمداهنة التي تتمثل بازدواجية وحربائية السلوك، وكذلك الخوف الذي يتمثل بالإنكفاء والجبن في الازمات، ويتخلل التفكير طبيعة إيحائية التي ينغمس فيها الفرد في خيالات، وكأنه يعيشها ويتفاعل معها حقيقة، وهذا يتراكب في الطقوس والأساطير. تلك صبغة صفات ممكن أن تؤدي إلى ضعف امتزاج مع الاخر ونحي للانعزال وبحث عن أمان.

أحيانا مركب النقص الحضاري يتدثر به بعض نُخب الساسة ويتحول عندهم في اللاوعي إلى نزعة عدوانية مدمرة لكل فكرة بل قيمة تأتي من هذا الاتجاه. بل يوّلد عقدة نفسية تطمح في هيمنة على الغيرمن قوميات وشعوب محيطة.

ويبقى ناموس الإستشراف والبقاء والأثر في منظومة البشر لا يحاكي استعادة امجاد قَبَرها التاريخ، بل هو فعل حاضر وطموح مستقبل، ونشدان سلم، ونهوض بشري عام، وعيش مشتركات قيم إنسانية.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية