الحروب تبقى أثارها ولا تُنْزع من ذاكرة الشعوب، ولكثرما الحروب تتوالد في أُتُون الكيد، تدفعها أسباب ومسببات، ونتائج سبقتها مقدمات. حيرة للعاقل اذا رأى تداخلاتها، وحين تطال البريء الساكن، والطفل والعجوز الآمن، لا دخل لهم فيما فُرَض عليهم، قَدَرهم أنها طالت أرضهم عَنْوة. هكذا أصحاب الحروب لا أمان لهم وسوء عاقبة تنتظرهم يصدق فيهم؛ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وهذا ناموس أن لا جائر ينجوا مهما أحترف من تموية وتبرير وازدواج سلوك، فالخواتيم والعواقب ترصده.
وبالمثل يُقال لمن مَكَر، وسلط نيرانه على جاره وبرَّرعدوانه، وهو يقصد خصمه ولا جدوى عنده، حتى أن ظُلمه يطال مباني ومنافع، ومطارات وموانئ، لا حرمة عنده سيادة دول صبرت على آذاه، وحملوا نوايا حسنة معاه، طالما حمل شعارات زائفة، وثعالبية طافحه. خداعه ومراده توسيع حرب وهذا لا ينطلي، وسوء طويته لأهل الفراسة تنجلي. يا وَيْلَه وَويْل كل ظالم من عدل الديَّان، فالله يُمهل ولا يهمل، حتى إذا أخذه لا يُفلته.
ومعقلُ الظلمِ أيّاً كان صاحبُهُ
لابدَّ يوماً على أهليِه ينهدمُ
فقُلْ لكلِّ عُتاةِ الأرضِ مَن غَشَموا
ومَن طغَوا قبلَكم في الأرضِ أينَ همو
معروف أن الحروب باطنها مصالح، ومنتفعي أزمات، بل تَلَمْلَم قوى الشر بُغية غلبة وتمكين. وتمني خطف تنمية ونهضة شعوب. كلُّ ذلك في غياب عدالة أممية تردع. وفي الحروب، تتبارى وسائل إعلام ومنصات تواصل، بعضها تكشف عدوان وتنصر صيحة مظلوم، وترفض ظلم وانتهاك حقوق إنسان، وغيرها من يُسابق في بث تأثير وتأطير ضمن رؤى واهداف لا تخلو من التوائية ذكاء، تستغل أحداث وزرع خوف وإرجاف.
ومعلوم أن أصوات الخير والشر في الحروب تتقارع، وكلٌّ له أثره وامتداده. وفيها كذلك ألسن حِداد توغَّر الصدر، وتمتطي تأويل دونما برهان وتوثيق، همّها تُبعد قريب وتُقرَّب بعيد، وتبث فرقة، وإبعاد صادق نية. وهناك دهش تراه في ظل الحروب من يُنكر فضل بلاد طعم خيرها وعونها وعرف وفاءها، فتطاول ردّ وصدّ، لا عُرَّى نخوة عنده ولا حشمة تمنعه. وهذا لا تتمناه في ظل صراع وجودي، فيه نظر لكليات وشواهد امتحان.
في الحروب تقطف ثمر نضج، وقراءه واقع، وباطن مصالح ودوافع، وإدراك خريطه موازين وأصدقاء وأعداء ومحايدين. وهذا وعي يحصن من وقوع في فخ تأثر بأي طرف، أو تلبيس مُتخفي ماكر. مثل هذا النضج يدرك صاحبه أن درء المفاسد مُقدم على جلب المصالح، والأشد يزال بالأخف، والضرر يدفع بقدر الإمكان، والضرر لا يزال بمثله، وإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما. هكذا هي في اصولنا وموروثنا الإسلامي.
التاريخ يُحدَّثنا أن تعلّم الدروس حكمة وحنكة يمنع قبول أراجيف، وتعظيم أهل عداوة، بل يثق بمواقف وقدرات وطنه ولحمة شعبه، فلا نفسح طريق لاختراق في نقل مقولات وشائعات ومصورات. فكثرة تكرار تداولها تحفر ساقية في العقل الباطن لإثارة لبس وتشويش، وتبذر تهيَّب من قدرات خصوم، وتقزيم إمكانات بلده. بل نحذر من سطحية تبادل مُراسلات دون معرفة مصدرها أو قدره توثيقها. فهذه آفة سلوكيه قد يحمل الناقل إثمها.
ويبقى الوطن هو الذي نحبه ونواليه ونؤمن بقدراته ونثق بقادته وقيمه. وجودنا مرتبطه فيه، لذا هو أمانة؛ مقدسات وشعب وولاة وعِرض وأرض، وفيه جذور أجداد وأمل أجيال، وهو هواء وماء نقوى به.
اللهم أرحم الشهداء، والطف باقدارك الضعفاء، وقوى عزائم الصابرين المحتسبين، واجعل لهم عاقبة المتقين.
"وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖوَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" سورة الأنبياء
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |