العدد 5703
الأحد 26 مايو 2024
banner
احمد عبدالله الحسين
احمد عبدالله الحسين
خربشة ومغزى.. "الرَّحمَة.. صفة الرَّحمن.. ولذَّة اللَّذَّات من تيقنها"
الأحد 07 أبريل 2024

هي إحدى صفات البارئ عز وجل الحسنى التي كُلها مدح وحمد وثناء وتمجيد، ومن تعرف على الرحمة وأيقن بها يتذوق الذّّ اللَّذَّات ويملك أنفس نفيس. 
الرحمة مشتقه من فعل رَحِمَ بمعنى الرّقة والرّأفة والتعطّف، فهذه هي الدلالة اللغوية. ولهذا يُقال رَحِمَه يَرْحُمُه أي إذا رقّ له وتعطّف عليه، والرّحِم تعني علاقة القرابة، ثم سُمّيت رَحِمُ الأنثى رَحِماً من هذا؛ لأن منها يكون ما يُرحم ويُرقّ له من ولد. ومن جميل قول الجاحظ في معناها أن؛ الرّحمة خلق مركب من الودّ والجزع، والرّحمة لا تكون إلا لمن تظهر منه لراحمه خلّة مكروهة. فالرّحمة هي محبّة للمرحوم، مع جزع من الحال التي من أجلها رحم.

لهذا الرحمة هي شعور وجداني، وانعطاف نفساني بِه رقّة القلب باعث على الإحسان إلى الغير، وإذا وُصِف بها البارئ سبحانه، فليس يُراد بها إلا الإحسان منه جلّ وعلا إنعاما وإفضالا.
الرحمة تدعو المؤمن الى محبة الخالق وإجلاله وتبعث فيه الوُدِّ والإبتهاج فكيف لا؛ "وربُّك الغنيُّ ذُو الرَّحَمِة"، فلا مخلوق إلا وقد وصلت اليهِ رحمة الله، وغمرهُ فضلهُ وإِحسانُهُ. فهو الرَّحمن لسعة رحمته والرَّحيمُ لإنه يرحمُ خَلقَهُ "وكان بالمؤمنين رحيما".

الرحمة الربانية هي لجميع الخلق، فلولاها لما أكلوا وما شربوا وما اكتسوا وما سكنوا. وللمؤمنين لهم رحمة خاصة يرحمهم الله في الدنيا ما تقوم به أبدانهم، وفي الآخرة رحمة تحصل لما يقوموا به في أديانُهُم. فسبحان الرَّحيم الرَّحمَن الذي عمَّت رحمته أهل الأرض والسماوات، ووسعت الخلق في كُلِّ الآنَات واللحظات فهو واسع الرحمة. 

وفي الحديث أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجُلٌ ومعه صبي فجعل يضُمُّهُ اليه فقال النبي؛ أَترحَمُهُ ؟
قال الرجل؛ نعم 
قال النبي؛ فالله ارحمُ بك منك به وهو أرحم الرَّاحمين.

ومن أثار رحمة الخالق عز وجل أن الدابة ترفع حافرها عن ولدها خشية أن تُصيبهُ، ومن رحمته أنه لا يُؤَاخذ بالغفلة من لم يشكر نعمه، ومن رحمته أن خلق للذكر من الحيوان أنثى من جنسه، والقى بينهما المحبة والرحمة ليقع بينهما التواصل الذي به دوام التناسل والسكينة والطمأنينة. 
ومن رحمته أحوج الخلق بعضهم إلى بعض لتتم بينهم مصالحهم، ومن رحمته أن جعل الغني والفقير والعاجز والقادر والراعي والرعية ليتراحموا. ومن رحمته لا يُعاجل المذنب والعاصي بالعقوبة، بل يتجاوز عن السيئات ويضاعف الحسنات ويوصل بالتوبة أعلى الدرجات. 

أصناف رحمة الله تعالى في الدنيا لا تُحصر ولا تُحصى، وهي في الآخرة أجلُّ وأعظم ولا تخطر على بال بشر. نسأل الرحمن الرحيم ان يتغمَّدنا ويدخلنا برحمته فهو ارحم الراحمين. 
الرحمة أثرها وممارستها في الحياة، يعود بالنفع والطمأنينة على الأفراد والجماعات، وتُسهم في التعارف والتعايش والتظافر على الخير، وهذا يمتد إلى تحقيق الأمن ونشر السلام العالمي. 

الرحمة في تجلياتها هي المقصود من إرسال الرسل، ولهذا قال رسول الله ﷺ؛ الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. لذا فقدان الرحمة هو تلوث في الفطرة وارتكاس فيها، وعلامة قسوة قلوب ويبسها وغلظها، وجفاف روح، وجفاء طباع، واختلال في المزاج. ولهذا حذرنا علية الصلاة والسلام؛ لا يرحم الله من لا يرحم الناس.

ونختم بما ذكره ابن القيم الجوزية أن الشريعة رحمة كلها، وأن كل مسألة خرجت عن الرحمة إلى ضدها، فليست من الشريعة.
 

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .