+A
A-

عيسى بن راشد.. سيرة رجل صنع ذاكرة نادي البحرين



في الأسبوع الفائت، عندما استعرضنا جزءًا من تاريخ نادي البحرين، لقي الطرح – لحسن الحظ – استحسان الكثيرين من متابعي «دفاتر الأندية القديمة»، إلا أن شخصًا واحدًا لم تعجبه الصفحة، فقال لي معاتبًا: «وضعت صور جميع من أسس النادي ومن ترأسه، ولم تضع صورة بوعبدالله الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة – رحمه الله – وأنت تعرف جيدًا ما حققه هذا الرجل من نجاحات لنادي البحرين».
فأجبته: أشكرك على ملاحظتك ومتابعتك الدقيقة، ولستُ الوحيد الذي يعرف عطاء المرحوم للنادي وللبحرين وللخليج العربي؛ فالدول العربية كافة تعرفه وتتذكر مواقفه الرياضية النبيلة. لكنني رغبت أن أتشرف بالكتابة عنه في صفحة خاصة تليق بشخصه وعطائه ومكانته الغالية في قلوب محبيه، خصوصا في نادي البحرين، وهو الذي قال يومًا: «عرفت نادي البحرين، وكان ولا يزال بيتي الثاني الذي أمضيت فيه أجمل أيام عمري».
لهذا السبب، رغبت أن يكون هذا الأسبوع مخصصًا لذكراه الطيبة.

يُعد المرحوم الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة من أبرز الشخصيات الرياضية في مملكة البحرين ودول الخليج العربي، إذ امتلك علاقات واسعة مع كبار الشخصيات الرياضية في العالم. وُلد في مدينة المحرق بالعام 1938، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة الهداية الخليفية، ثم واصل دراسته الجامعية في القاهرة بالعام 1955.

وبعد تخرجه، عاد إلى البحرين حاملا شهادة في الحقوق وثقافة رياضية واسعة، خصوصًا في كرة القدم. وتقدم بخطاب رسمي إلى إدارة نادي البحرين يطلب فيه الانضمام إلى النادي، وهو خطاب ما يزال موثقا ويعود إلى العام 1964.

وبحكم نظرته الثاقبة لمستقبل الرياضة، ركّز اهتمامه على الشأن الرياضي إلى جانب الشأن الثقافي، في وقت كانت فيه الأندية الكبرى تميل إلى النشاط الثقافي والاجتماعي والسياسي أكثر من الرياضة، مثل النادي الأهلي ونادي العروبة ونادي المحرق الثقافي.

استوعب النادي الأهلي متغيرات المرحلة فاندمج مع نادي النسور ليصبح ذا قاعدة جماهيرية واسعة، بينما لم يُكتب الاستمرار لنادي المحرق الثقافي، وظل نادي العروبة متمسكًا بمبادئه الثقافية والسياسية.

شعر المرحوم بأن نادي البحرين لن يحظى بصوت قوي ومكانة بارزة إلا عبر عمليات دمج مدروسة؛ فاستثمر صداقته مع رئيس وأعضاء نادي النهضة، ونجح في دمج الفريقين خلال السبعينات، ثم قام بمحاولة دمج أخرى في الثمانينات مع نادي شط العرب الذي كان يرأسه الشيخ محمد بن عبدالوهاب آل خليفة.

هذه الخطوات ساهمت في ارتقاء النادي ليصبح ضمن أفضل الأندية الرياضية في البحرين، محققًا العديد من البطولات، وموسعًا قاعدة الألعاب الرياضية، مثل الكرة الطائرة والتنس وفريق سيدات الطائرة وغيرها. وكان المرحوم بوعبدالله يقف خلف كثير من هذه الإنجازات.

في السبعينات، عندما كنت مديرًا لنادي الوحدة، كانت المؤسسة العامة للشباب والرياضة قد استأجرت لنا مقر نادي النسور مؤقتًا، إلى أن يُبنى مقر نادينا الجديد قرب شارع المعارض، بعد دمج “النسور” مع النادي الأهلي.

أتذكر أنه تمت دعوة الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة للحديث عن إحدى سفراته إلى دولة اشتراكية سقط نظامها السياسي، ولا أذكر إن كانت الاتحاد السوفيتي أم ألمانيا الديمقراطية، وكان من بين الحاضرين رئيس نادي الرفاع الشيخ إبراهيم بن خالد آل خليفة، وكان جالسًا قربي، فقلت له: اسمع يا شيخ، سأطرح على بوعبدالله سؤالًا يهمنا نحن الأندية.

رفعت يدي ووجهت السؤال إليه، فقلت: بما أنكم كنتم هناك، لماذا لم تتعاقدوا مع مدربين أكفاء طالما أن النظام سقط وأصبحت الأسعار زهيدة؟

فأجاب بطريقته الدبلوماسية المعتادة وهو يضحك: «خلّوا لنا الدول الأخرى شيئًا حتى كلابهم البوليسية اشتروها من عندهم!».

ضحك الحضور، وضاع السؤال وسط الأجواء المرحة. تلك كانت واحدة من مواقف المرحوم؛ شخصية حاضرة، ذكية، لا تشعر بأي حرج في الرد، وتعرف كيف تحوّل الموقف إلى لحظة ود.
هكذا كان المغفور له بإذن الله، بوعبدالله شخصية رياضية وإنسانية ستبقى في الذاكرة.