العدد 6227
السبت 01 نوفمبر 2025
الفن والإعلام في مواجهة الإجرام (1)
السبت 01 نوفمبر 2025

قبل عدة أعوام كتبت مقالا بنفس هذا المكان حول الفيلم المصري “حلق حوش”، وهو من إنتاج 1996، حيث رأيته لفتة وتحذيرًا من خطورة ما يعرض على شاشات التلفاز من برامج ومواد فنية، رغم أنه يدور في إطار كوميدي خفيف حول ثلاث شخصيات فقيرة تعيش على هامش المجتمع، وتسكن سطح إحدى العمارات، قضوا وقتًا طويلا دون جدوى في البحث عن عمل لهم، فاتجهوا إلى سرقة أحد البنوك الصغيرة بعد أن راجت تلك الفكرة لهم أثناء مشاهدتهم فيلماً أجنبياً عرض بالسينما المجاورة لهم، فقاموا بتنفيذها.
قبل عدة أيام، وفي جريمة صادمة، من يقرأ تفاصيلها البشعة دون أن يعرف مرتكبها سيحكم أن من قام بها ينتمي لعصابة متمرسة في الإجرام، ولا يمكن أن يصدق بأنه طفل لا يتجاوز 13 عامًا، حيث قام بقتل زميله في المدرسة بتخطيط محكم في تنفيذ عملية القتل وأساليب غاية في الوحشية والتبلد، فبسبب مشادة بينه وبين زميله، قام باستدراج ضحيته إلى شقته وقت خلوها من أفراد أسرته وقتله، ثم تفتق ذهنه واستحضر عقله ما شاهده في إحدى الألعاب الموجودة على الإنترنت، وفي أحد الأفلام الأجنبية فقطع جثمان الضحية إلى أشلاء باستخدام منشار كهربائي، واستغرق في اللاإحساس وقطع جزءًا من ساق زميله وقام بطهيه وتناول قطعة منه.
فيلم حلق حوش كان متواضعًا في آفاق تفكيره التي لم تتعد إمكانية أن يدفع الفقر الإنسان إلى الاتجاه نحو الكسب الحرام ليتمكن من العيش، وأنه قد يجد في الأفلام التي تحث على الجريمة وتزينها مخرجًا له ليقوم بتقليدها، بينما ساهمت الطفرة التقنية والمعلوماتية الرهيبة والقبول بكل ما تضخه دون تفكير أو رقابة من أحد في الانتقال بعالم الجريمة إلى مستويات غير مسبوقة ويصعب توقعها وينبغي حيالها استنهاض همم كل المؤسسات الفنية والإعلامية والتربوية والأمنية وإعادة النظر في القوانين الخاصة بالأطفال والعقوبات، فالثورة التقنية والمعلوماتية أضافت لعمر ومدارك وخبرات الطفولة سنوات وسنوات وتحتم مراجعة الكثير من المعتقدات والممارسات الخاصة بهم. 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية