تعود الكاتبة البحرينية جليلة السيد في روايتها الثانية “مدن الحليب والثلج” لتقدم نصًا سرديًا يحاكي تفاصيل المرأة العربية في صراعها مع الألم والخذلان، ويعكس قدرة الكاتبة على توظيف الوعي السردي والبنية النفسية للشخصية في رسم ملامح البطلة لولوة.
تظهر لولوة شخصيةً متأزمة في مواجهة العواصف حيث تتقاذفها صروف الحياة بصورة غير متوقعة بين قسوة الزوج، وخيانة الحبيب، وفقدان الأمان، وظلم المقربين، وهنا يبرز ما يسميه علم النفس بـ (صدمة الخيانة العاطفية)، حيث تتحول الثقة إلى مصدر جرح نرجسي عميق يهدد توازن الذات النفسي، مع كل خيبة تتعرض لها، نجد أن لولوة تمر بما يشبه اضطراب التكيف، فهي مجبرة على لملمة شتاتها الداخلي، وإعادة ترميم ذاتها في ظل فقدان السند الحقيقي. ورغم هذا التمزق، تكشف الأحداث عن تحوّل معاناتها إلى وعي جديد، فالمرأة هنا لا تستسلم للهزيمة، بل تكتسب الصلابة النفسية التي تمنحها القوة للنهوض من جديد وأخذ قرارات جديدة كالتمسك بأمل الزواج من (عصام) والهجرة معه.
أما إذا نظرنا إلى فكرة الموت في الرواية، سنجد أن هناك موتا رمزيا وموتا واقعيا حيث يطل الموت كأقسى أشكال الفقد عبر تشييع الابنة (جمان)، وهو ما يمثل صدمة وجودية تهز كيان الأم وتهدد مفهومها عن الحياة. وإلى جانب هذا الفقد الواقعي، تواجه لولوة موتًا رمزيًا آخر، يتمثل في خيبة الأمل في الحبيب عصام، ذلك الحب الأول الذي تحوّل إلى سراب مظلم وغامض وقد سبقت ذلك خيبات أمل كثيرة تمثلت في خذلان زوجها (عبدالحي) ومن ثم ظلم (علي) الذي تحرش بابنتها (وفقًا للتحليل النفسي، هذا التداخل بين الفقد الواقعي والرمزي يولد ما يُعرف بـ الحزن المركب، الذي يترك أثرًا طويل المدى على إدراك الفرد لذاته وعلاقاته).
من خلال السرد، نلحظ أن الظروف القاسية تكاد تُنسي لولوة أنها امرأة، وتدفعها إلى تهميش جانبها الأنثوي لحساب أدوار أكثر صلابة؛ فهي تتحول من الذات العاطفية إلى الذات المقاتلة، مركّزة على استرداد الحق، مواجهة الظلم، حماية الأبناء، وتجاوز نظرات الشفقة والاستغلال. هنا تتجلى صورة المرأة العربية التي تتشكل هويتها عبر المعاناة وتعيد بناء ذاتها رغم الجراح وكأن الأنوثة تصبح مؤجلة لتحل محلها الذات المقاتلة.
قد يتساءل القارئ: هل يعقل أن تتعرض امرأة لكل هذا الكم من المعاناة؟ الإجابة أن معاناة لولوة ليست خيالًا محضًا، بل هي انعكاس لتجربة نسوية شائعة في مجتمعاتنا مع تلون وتشعب الأوجاع والخيبات، حيث تتقاطع ضغوط الحياة الأسرية والاجتماعية مع هشاشة الدعم النفسي والعاطفي. ومع ذلك، ليست كل النساء مثل لولوة؛ فالقوة الاستثنائية التي أظهرتها البطلة تجعلها نموذجًا إكلينيكيًا للمرأة الصامدة التي تصنع من الجرح وعيًا ومن الفقد حياة جديدة.
في “مدن الحليب والثلج” تنجح جليلة السيد في تصوير معاناة المرأة العربية لا كصورة ضحية، بل كملحمة صمود وبناء ذات، مقدمةً عبر شخصية لولوة نموذجًا نفسيًا وأدبيًا يثير التفكير حول معنى الألم، ودوره في إعادة تشكيل الهوية الداخلية للمرأة.
*كاتبة وأخصائية نفسية بحرينية