العدد 6171
السبت 06 سبتمبر 2025
محمود الملا.. الخط الذي يكتب تاريخ البحرين
السبت 06 سبتمبر 2025

ما أجمل أن يبدأ الإنسان يومه بما يحب، ففي ذلك يكمن أحد أسرار السعادة وطمأنينة النفس. وإذا كان الرسام والخطاط البحريني الكبير محمود أحمد الملا يجد أسمى متعته في ممارسة الخط العربي، فقد اكتسب صباحي بريقًا مختلفًا حين استيقظت على مقابلته عبر إذاعة مونت كارلو الدولية. منذ اللحظة الأولى شدني حديثه حتى النهاية، وكأن كلماته تخط أثرها على أذني ووجداني في آنٍ واحد. مقابلة لا تُملّ، دافئة وصادقة، تحمل في كل جملة ما يدعو للتأمل، وتزرع في القلب ابتسامة عذبة. ولعل سرّ جاذبية الملا أنه مؤرخ لعصر ثقافي امتدت محطاته بين بيروت والقاهرة، وزادها غنى بخبراته وطرائفه التي يرويها برهافة وخفة ظل.

رحلة الملا الثقافية تحمل قيمة تتجاوز حدود الفن والممارسة الشخصية. ففي بيروت منتصف السبعينيات، التقى بخيرة خطاطي العالم العربي، وشارك في معارضها ومنتدياتها، فكان اسمه يسطع بين الأسماء الواعدة في الساحة الفنية. أما في القاهرة خلال الثمانينيات، فقد لازم جامعاتها ومعارضها، مستفيدًا من مدارسها الفنية ومطوّرًا لتجربته الخاصة، حتى كوّن أسلوبًا مميزًا جمع فيه بين أصالة الخط وروح التشكيل. هذه اللقاءات أغنت رصيده، وجعلته علَمًا بارزًا في مشهد الخط العربي والفن التشكيلي معًا. ومن يستمع إليه اليوم يدرك أنه يروي ذاكرة حيّة وثرية عن العصر الذهبي للثقافة العربية.

أما الخط عند الملا فليس مجرد هواية أو زينة عابرة؛ بل هو مسئوليه ثقافية وتاريخية حملها على عاتقه. ولهذا نال شرف أن يكون ضمن نخبة من الخطاطين المبدعين الذين خطّوا دستور البحرين عام 1973 بأقلامهم المضيئة. لم يكن الأمر مجرد نسخ لمواد قانونية، بل كتابة عهد جديد في تاريخ الوطن، بحروف مشبعة بالانتماء والفخر. وحين يستعيد الملا تلك اللحظة، يرويها بروح الشاهد الذي أدرك أن الحروف كما تدون القوانين، فإنها أيضًا ترسّخ الهوية الوطنية، وتحول الورق إلى وثيقة حيّة للأجيال المقبلة.

وعلى المستوى الشخصي، كان من حظي أن أهداني الملا لوحتين أصليتين من إبداعه، أعتبرهما من أعزّ مقتنياتي. كما شرّفني بأن أكون من الذين اختارهم بعناية ليكونوا من المؤسسين لجمعية محبي الخط العربي، إلى جانب المرحوم يوسف محمد إسماعيل، طارق أحمد الشيباني، أحمد يوسف العبيدلي، عالمة الموسوي، نبيلة زباري، حرز يعقوب البنكي، وعمار عبدالعزيز آل محمود. وكان اجتماعنا الأول في فندق الشيراتون يوم 15 مارس 2019. اجتمعنا بحماس كبير لإحياء روح الخط العربي في البحرين، غير أن الظروف لم تسمح للمشروع أن يتجاوز بداياته. ومع ذلك يبقى الأمل حاضرًا أن تعود الأيام وتتحقق أماني أستاذنا الكبير في أن يرى حلمه ماثلًا للعيان.

الملا ليس مجرد خطاط بارع؛ إنه مثقف بالفطرة، يتمتع بروح مرحة وفكاهة أصيلة تجعل مجالسته ممتعة قبل أن تكون مثمرة. والمقابلة لم تكشف فقط عن ذاكرته الفنية، بل عن جانبه الإنساني أيضًا، حين تحدّث عن المحطات الإذاعية التي يتابعها، من مونتي كارلو إلى محطات عربية أخرى، لتكون موجات الأثير صديقه الدائم ومصدر طاقته الذي يصل الماضي بالحاضر.

إن الكتابة عن محمود الملا ليست واجبًا ثقافيًا فحسب، بل متعة شخصية خالصة. فهو نموذج للفنان الذي جمع بين الموهبة الأصيلة والثقافة العميقة وخفة الروح. ومهما أثقلت الظروف الأحلام وأرجأتها، فإن حياته وأعماله وذكراه ستبقى حيّة، تذكّرنا دائمًا بأن ما يخطه القلب لا يمكن أن تمحوه الأيام.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية