العدد 6496
الثلاثاء 28 يوليو 2026
مهاتير محمد و فاكهة البحرين المنعشة
الثلاثاء 28 يوليو 2026

قبل عدة أعوام، وفي إحدى زيارات صديقي الطبيب الألماني توبياس بوزيلو لي في منزلي بأبوظبي، بينما كنتُ أجول به في حديقتي المنزلية الغنية بأنواع مختلفة من الفواكه المحلية والنوادر القادمة من شتى بقاع العالم، كنتُ أشرح له باستفاضة عن كل نوع: كيف حصلت عليه، ومتى زرعته، وكيف استطعت الحفاظ عليه رغم حرارة القيظ في مدينة شخبوط بأبوظبي، وتعرضها المستمر لتيارات الهواء الساخنة المحملة بذرات الرمال الحارقة، التي تتسبب سنوياً في نفوق عدد من أشجار مجموعتي المتنوعة.

ومررنا على شجرة ضخمة وارفة الظلال، تتميز بكبر حجم أوراقها وشدّة خضرتها، إذ تنخفض الحرارة مباشرة بمجرد الوقوف تحت ظلها ولو للحظات، لتكتشف الفرق الفوري في تأثيرها على البيئة المحيطة. وعند ملاحظته ذلك، بدأتُ أشرح له بعض فوائد ثمرتها، إذ تمتاز بارتفاع محتواها من السكريات، ويميل طعمها إلى مزيج بين المشمش والبطيخ الصيفي مع لمسة من العسل. كما أنها ممتازة لعلاج ومكافحة مشاكل الجهاز التنفسي والهضمي، حيث تقوم مادتها الصمغية بالتقاط الفضلات في القولون، مما يُسهم في تخفيف أعراض القولون العصبي كالانتفاخات، وتعمل على تقليل أعراض قرحة المعدة، وتُعد مليناً طبيعياً للإمساك، ومكافحةً لديدان البطن، وقاتلةً للطفيليات. وهي أيضاً مضاد طبيعي للأكسدة، وطاردة للبلغم، وتعالج السعال، وتحسّن النوم، وتزيد من نضارة البشرة.

هنا ردّ عليّ صديقي الطبيب متفاجئاً: "وهل كل هذه الفوائد والخصائص لهذه الثمرة حقيقية، أم أنها مجرد مزايدات متوارثة دون دليل أو إثبات علمي؟"

فأجبته بلوعة وصوت يشوبه الأسى: "نحن في هذه المنطقة من العالم اكتفينا بالعلوم القادمة من الغرب، وأغلقنا عقولنا، وتركنا موروثاتنا الفعالة والمجربة، بحجة أنها غير مثبتة علمياً 'في مختبرات الغرب'، رغم أن هذا الغرب لم يعرف هذه الثمار أصلاً ليدرسها ويثبت ما فيها من فوائد وخصائص طبية."

في تلك اللحظة، سحب هاتفه الذكي وقال إن لديه تطبيقاً متخصصاً في التعرف على أنواع النباتات، وأنه يستطيع البحث عن الموضوع بمجرد تصوير إحدى أوراق الشجرة. كانت المفاجأة حين ظهرت النتيجة على هيئة سؤال يتضمن صورة لهذه الفاكهة: "هل تقصد هذا النبات؟" فأجبته بشوق: "نعم، هذه صورة الثمرة." وكنت متشوقاً لمعرفة ما سيقوله التطبيق الألماني عن فاكهتنا المعجزة. وإذا بالمفاجأة: هذه الثمرة تُسمى "الصيدلية الكاملة"، وبدأ التطبيق يسرد الفوائد والخصائص التي ذكرتها له، وغيرها مما لم أذكره أيضاً. كان شعوراً بالارتياح بعد ضغط التشكيك.

ومما ورد من خصائص هذه الثمرة الصيفية المنعشة، أنها مصدرٌ للحديد والفسفور، وغنية بفيتامين C الذي يعزز إنتاج الكولاجين ويقلل الالتهابات، كما أنها مسكن طبيعي للآلام، وتحسّن حساسية الأنسولين، مما يساعد في ضبط مستويات السكر في الدم بشكل عام.


وفي ضوء ما سبق، أستذكر التجربة الماليزية في تحويل ما هو متوفر دون جهد يُذكر إلى عائد اقتصادي كبير، يُنقذ الشباب من البطالة ويدرّ على البلاد عوائد ضخمة. فعندما تولى رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد الحكم، كانت ماليزيا تعاني أزمة اقتصادية كبيرة بسبب تراجع أسعار المطاط الطبيعي، الذي كانت تعتمد عليه في صادراتها للحصول على العملة الصعبة، نتيجة ظهور المطاط الصناعي بتكلفة أقل بكثير. غير أن عبقرية مهاتير محمد وصدق نيته في إنقاذ البلاد من الفقر والأزمة الاقتصادية، قادته إلى شجرة النخيل المتوفرة بكثرة في ماليزيا، والتي كانت تُهمل وتُعتبر شجرة زينة لا فائدة منها سوى شكلها الجميل، إذ إن ثمرتها تشبه الرطب العالي الجودة ولكنها مجرد شكل.

فعند زيارتي لماليزيا قبل أكثر من عشر سنوات، قطعت إحدى هذه الثمار، فوجدتها تحتوي على نواة يغلفها ليف يشبه تماماً الألياف التي تغطي ثمرة جوز الهند الجاف، وسطح أملس جميل المظهر بألوان مختلفة كالأصفر والأحمر، شأنها شأن الرطب العادي. وكانت العبقرية في استخلاص الزيوت من هذه الثمرة، فهي غنية جداً بالزيوت، وكانت الفكرة مبدئياً لاستخدامه كوقود حيوي. وهنا كان المنقذ البديل عن المطاط الطبيعي، ليصبح زيت النخيل "نفط ماليزيا" الجديد، فتقرر التوسع في زراعته كبديل ناجح لتراجع المطاط.

ولم يكتفِ مهاتير بذلك، بل واصل تطوير هذه الصناعة حتى وصل إلى هدرجة زيت النخيل لاستخدامه في الطهي (رغم معارضتي الشخصية لذلك)، مما رفع من قيمة هذا الكنز وباعه بأسعار مضاعفة عن أسعاره كوقود حيوي. وهكذا تحولت شجرة النخيل في ماليزيا من شجرة زينة إلى رافد صناعي مدرّ للعملة الصعبة، وأنقذت عشرات الآلاف من البطالة.


وعوداً إلى موضوعنا، ولحل لغز تسمية ثمرتنا المعجزة، إنها "البمبر" كما تُسمى محلياً في البحرين، واسمها العلمي Cordia Myxa، وهي من الفصيلة الحمحمية، وتعرف أيضاً باسم "السبستان الدبق" أو "البرقوق الأشوري". وهي شجرة معمرة يتراوح طولها بين 5 و12 متراً، مقاومة للحرارة وملوحة التربة والآفات، ولا تحتاج إلى عناية خاصة. تتميز بكثافة أوراقها الكبيرة التي تميل إلى الشكل الدائري تقريباً، وهي ملساء وسميكة، مما يجعلها شجرة ممتازة للتظليل وتلطيف الأجواء الحارة. ومن مميزاتها أيضاً أنها غنية بالبروتين وقليلة الدهون، وتحتوي على معادن كالبوتاسيوم والكالسيوم والحديد وفيتامين A، مما يعزز مقاومة الجسم للعدوى والأمراض، ويقوي العظام، ويقي من الهشاشة والروماتيزم. كما تعمل على خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول الضار، وتحتوي على مادة السابونين ذات التأثير المهدئ، مما يساعد في علاج الأرق وتحسين جودة النوم. ونظراً لغناها بالمركبات الفينولية والفلافونويدات، فإنها تمنح تأثيراً قوياً مضاداً للأكسدة، مما يقلل من انتشار الخلايا السرطانية، وخاصة سرطان الثدي والقولون.

أما عن تجاربي الشخصية مع هذه الثمرة وكيفية الاستفادة منها بأقصى ما يمكن، وجعلها متوفرة طيلة العام على المائدة، فقد قمتُ بعمل المخللات منها قبل نضجها، وكذلك بعد نضجها الكامل، كما صنعتُ منها مربى. وعند تجفيفها، تُصبح شايا لذيذاً ومنعشاً، ويمكن طحنها بعد التجفيف للحصول على سكر أسمر يُستخدم في صناعة الحلويات. ومن استخداماتها العامة، أن أوراقها مفضلة للماشية، واليابسة منها تُكبس على شكل كبسولات للتدفئة، وكذلك خشبها يُستخدم في ذلك.


ومن هذا المنطلق، نستنتج أنه يجب التكثيف من زراعة هذه الشجرة لنزيد من البصمة الخضراء، بنوع يحمل كنزاً كامناً ينتظر من يبحث عن الحلول داخل الصندوق بدلاً من البحث خارجه، فالجود بالموجود. ويبقى المستقبل كفيلاً بإظهار النسخة البحرينية من مهاتير محمد، لتحويل هذه الشجرة وثمرتها المعجزة إلى استثمار يعود على البلاد والعباد بعوائد اقتصادية، ويوسع صادراتنا إلى العالم بمنتجات عالية الجودة، مما تجود به هذه الأرض الطيبة من خيرات.


* رائد أعمال


هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .