العدد 5530
الثلاثاء 05 ديسمبر 2023
تسوية "القضية".. صراع الإرادات
الثلاثاء 05 ديسمبر 2023

يتحدث الإسرائيليون عن تسوية في غزة بينما يقصدون تسويتها بالأرض! كانت الهدنة فاصلا قصيرا لالتقاط الجثث وتبادل الأسرى، ومرة أخرى عادت الحرب لإتمام عملية التسوية على الطريقة الإسرائيلية. منذ البداية أعلنت تل أبيب عن بدائل وسيناريوهات للوضع في غزة تعلم جيدا أنه سيتم رفضها، لتواصل عملية التسوية والإبادة للفلسطينيين شعبا وتاريخا. عرضت أن تتولى مصر الإشراف على قطاع غزة كما كان الوضع قبل عام 1948، ورفضت مصر والدول العربية والسلطة الفلسطينية هذا السيناريو لأنه ينسف فكرة الدولة الفلسطينية ويضع مصر في مواجهة مع المقاومة الفلسطينية. وجاء العرض العربي بأن يعود قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية كما كان الوضع قبل سيطرة حماس، ورفضت إسرائيل بدعوى ضعف السلطة وعدم قدرتها على منع حماس من القيام بعمليات أخرى داخل إسرائيل كما حدث في 7 أكتوبر. فكان العرض الثالث: وضع قطاع غزة تحت إدارة الأمم المتحدة مع قوات أممية على الحدود تفصل بين القطاع والمستوطنات، ورفضت الدول العربية. السيناريو الرابع: إدارة دولية من أميركا وحلف الناتو وبعض الدول العربية مثل مصر للقيام بإدارة القطاع، وهو ما رفضته مصر والدول العربية.
في كل هذه العروض تتمسك الدول العربية بحل الدولتين مع ملاحظة أنه في ظل الصراع بين الإرادتين العربية والإسرائيلية تواصل الأخيرة عمليات التسوية في غزة على طريقتها، أي تسويتها بالأرض، بينما يواصل العرب البحث عن حلول سلمية تؤدي إلى وقف إطلاق النار وإقامة الدولة الفلسطينية. فمن الذي سينتصر؟! تاريخ الاعتراضات العربية طويل يستند إلى الحقائق التاريخية والجغرافية للشعب الفلسطيني، لكنه يفتقد إلى حقيقة القوة. وهذا تكرر كثيرا في تاريخ القضية الفلسطينية منذ بدايتها. فبعد انتهاء الانتداب البريطاني عن فلسطين عام 1947 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين فلسطينية ويهودية مع تدويل مدينة القدس، ورفض العرب ذلك وقامت حرب 1948 بين الجيوش العربية والعصابات الصهيونية، وللأسف انتهت الحرب بعد 10 شهور من القتال بهزيمة العرب واستيلاء الإسرائيليين على 60 % من المساحة المقترحة لدولة فلسطين، كما قاموا بطرد 700 ألف فلسطيني من منازلهم، أصبحوا لاجئين فيما عرف بـ "النكبة"، وانتقل 260 ألف يهودي من الدول العربية إلى إسرائيل خلال 3 سنوات فقط. بعد عمليات القتل والتهجير لسكان فلسطين أرسلت الأمم المتحدة الكونت برنادوت أول وسيط دولي للسلام إلى منطقة الشرق الأوسط للوساطة بين العرب وإسرائيل. وقدم برنادوت وهو دبلوماسي سويدي عدة مقترحات لتحقيق السلام أهمها: حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم، وأن تكون القدس كاملة تحت السيادة العربية، ومنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين. لكن للأسف تم رفض هذه المقترحات من العرب، والإسرائيليين أيضا. اكتفى العرب بالرفض دون القدرة على فرض شروطهم، بينما قام الإسرائيليون باغتيال الكونت برنادوت في سبتمبر 1948، وقامت بعملية الاغتيال منظمتان يهوديتان يرأسهما بيجن وشامير رئيسا وزراء إسرائيل بعد ذلك.
الإجابة عن سؤال: من الذي سينتصر؟ تبدو واضحة، لكن ذلك يتطلب إبادة الشعب الفلسطيني، وهو ما يقوم به نتنياهو.. الحرب الآن حرب وجود، فمن الذي سينتصر.. هنا تتغير الإجابة، مادام الفلسطيني يموت في أرضه، سوف ينتصر مهما كانت نتيجة هذه الحرب. ودخول 1800 فلسطيني من مصر إلى غزة خلال مدة الهدنة أقوى دليل على ذلك. انتصار الشعوب لا تحسمه نتيجة الحروب فقط.

مدير تحرير صحيفة الأهرام

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية