العدد 5517
الأربعاء 22 نوفمبر 2023
banner
المسألة العمرية وأزمة الرئاسة الأميركية
الأربعاء 22 نوفمبر 2023

هل باتت قضية أعمار رؤساء أميركا أمرا مقلقا للكثير من الأميركيين، سيما في ضوء ما يجري للرئيس بايدن، من حوادث مرتبطة بعمره المتقدم وحالته الصحية؟ الشاهد أنه بالنظر إلى رؤساء الولايات المتحدة الأميركية منذ أوائل سبعينات القرن الماضي، وبعد استقالة نيكسون، سنجد أن حظوظ الرئاسة تميل إلى كبار السن كما الحال مع جيرالد فورد، ثم جيمي كارتر، مرورا برونالد ريجان، وبوش الأب، وصولا إلى ترامب، ثم بايدن، الأمر الذي يطرح تساؤلا معمقا: "هل يفضل الأميركيون الشيوخ على الشباب في مقعد الرئاسة؟".
الجواب المثير نجده عبر تحقيق مطول لمجلة أتلانتيك الأميركية الشهيرة، تم نشره في شهر يونيو من عام 2020، وفيه أن فكرة مرشحي الرئاسة الأميركيين ككبار في السن لهذه الدرجة، أمر سببه هو أن الشعب الأميركي عموما مسن. التقرير عينه يقطع بأنه غالبا ما يتوجه الناخبون الذين تزيد أعمارهم على 65 عاما إلى صناديق الاقتراع أكثر من الناخبين الشباب، فيما وجدت أبحاث العلوم السياسية أن الناخبين يفضلون عادة المرشحين "الأقرب لهم من حيث العمر". هل هناك نقاط أخرى خفية في مشهد الرؤساء الأميركيين الطاعنين في السن؟
ربما يكون السر متعلقا بالشباب الأميركي الذي فقد الثقة في مؤسسات الدولة الأميركية وأحزابها، وهو ما توقفت عنده الإيكونوميست البريطانية مؤخرا، معتبرة أن عدد الأميركيين كبار السن تجاوز عدد الأميركيين الأصغر سنا بهامش أكبر منه في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. على أن أمرا آخر يمكن أن يضاف في سلسلة تبريرات اختيار رؤساء متقدمين في السن، وهو عامل الخبرة السياسية، سيما بعد أن استفاق الأميركيون على كوارث حلت بمكانة الولايات المتحدة عالميا مرة في ولايتي بوش الابن الذي قاد البلاد إلى حربين كارثيتين مدمرتين للأوضاع الاقتصادية وللسمعة العالمية الأميركية، حرب أفغانستان وحرب العراق هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن سياسات باراك أوباما، والتي عرفت باستراتيجية "القيادة من خلف الكواليس، عطفا على دعمه الواضح والفاضح لثورات الأصوليين، ومساندته جماعات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، جميعها اختصمت من رصيد القيادات الأميركية الشابة في الوصول إلى البيت الأبيض والبقاء في مقعد الرئاسة لسنوات طويلة.

هل يعني ذلك أن كبار السن منزهون عن الأخطاء، وقادرون على استشراف قادم الأيام الأميركية؟
يمكن للقارئ أن يعد قصة شيخوخة رؤساء أميركا، ضمن مسببات الصراع المجتمعي الأميركي المتزايد، سيما أن حكم كبار السن سيؤدي قطعا إلى تركيز السلطة في يد الأغنياء، وجماعات المصالح، على حساب الأقل حظا من البسطاء.
إضافة لما تقدم لا يبدو أن حظوظ رؤساء كبار السن، ستكون طيبة في مواجهة تحديات العقود القادمة من القرن الحادي والعشرين، تلك التي تختلف بشكل جذري عما جرت به المقادير منذ زمن الحرب العالمية الثانية وحتى الساعة.
خذ إليك على سبيل المثال لا الحصر، عصر الرقمنة وتقاطعه وتشارعه مع العملية التعليمية والإعلامية والمعرفية، وكيف تدار معارك الفكر في ظل أجيال جديدة تبدو معطياتها مغايرة.
أضف إلى ذلك فإن أهم معركة للأميركيين، ولغيرهم من شعوب العالم، هي معركة البشر مع التغيرات الإيكولوجية، وهذه تتطلب نهجا عملياتيا لن تتقنه دولة المسؤولين الأميركيين كبار السن.
أميركا في مواجهة أحد أخطر التحديات، والقضية غير قاصرة على عمر رؤساء أميركا، إنها ليست شيخوختهم، بل شيخوخة الامبراطورية الأميركية والاختبار الصعب الذي تمر به، وجوابها عليه، يرهن مستقبلها في الحال والاستقبال دفعة واحدة.

كاتب مصري خبير في الشؤون الدولية

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .