العدد 5384
الأربعاء 12 يوليو 2023
banner
الحضارة البشرية.. ازدهار أم انهيار؟
الأربعاء 12 يوليو 2023

هل الحضارة الإنسانية في طريقها للازدهار أم الانهيار؟ لعل أفضل من تصدى للجواب عن أسباب نشوء وارتقاء ثم انهيار واندثار الحضارات عبر التاريخ، المؤرخ العربي الكبير ابن خلدون (1332 - 1406)، عالم الاجتماع الذي سبق الكثيرين في الغرب. ومن بين الذين كرسوا جهدا تنقيبيا كبيرا في هذا الإطار يأتي المؤرخ الإنجليزي الشهير "إدوارد غيبون"، (1737 - 1794)، وهو صاحب السفر الكبير "اضمحلال وسقوط الامبراطورية الرومانية"، بأجزائه الثلاثة، ثم يحل في الترتيب ثالثا المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (1889 – 1975)، صاحب المؤلف العمدة "دراسة للتاريخ"، والذي خبر كيف أن الحضارات العظيمة لا تموت قتلا، إنما انتحارا، فهل يعني ذلك أن الحضارات غالبا ما تتحمل مسؤولية تدهورها؟
المؤكد أن هناك أسبابا عديدة تجعل السوس ينخر في جدران تلك الحضارات، غير أن القاسم الأعظم المشترك بينها جميعا، إنما هو انهيار الأخلاق، الأمر الذي يسمح بالتفاوت الطبقي والاجتماعي، ويبرر تاليا اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويفتح الأبواب واسعة ويشرعها للتمدد الامبراطوري، والذي عادة ما يتسبب في كتابة السطور الأخيرة من تاريخ أمم سادت وبادت. ما هي الأخلاق وكيف لنا أن نصفها؟ باختصار غير مخل تبقى الأخلاق مجموعة القواعد التي يحاول من خلالها المجتمع أن يحض أفراده ومؤسساته على الالتزام بسلوكيات وتصرفات متسقة مع نظام هذا المجتمع وأمنه ونموه.. في هذا الإطار يمكن للمرء – والعهدة هنا على الراوي المؤرخ الأميركي الكبير وول ديورانت – أن يتفهم كيف استطاعت المقاطعات اليهودية التي عاشت في ظل دول مسيحية غربية ولنحو ستة عشر قرنا، أن تحافظ على اتصالها وسلامها الداخلي باتباعها كودا أخلاقيا صارما ومفصلا، دون مساعدة تقريبا من الدولة أو قوانينها.
السؤال المنطقي التالي: "هل غياب الأخلاق بداية أفول الامبراطوريات والحضارات عبر التاريخ؟ ربما يتعين علينا بداية الأمر أن نعود قليلا إلى الوراء، مع انطلاق الثورة الصناعية، تلك التي مكنت الأفراد من زيادة الاعتماد على الذات وليس على القبيلة أو الأسرة في توفير متطلبات الحياة.
في تلك الآونة لم يعد على الشباب الثائر أن يرضخ لقيود ومراقبة القرية، صار بإمكانه أن يخفي خطاياه وهويته في زحام المدينة وكثافة سكانها. 
لقد رفع العلم التجريبي بتقدمه سلطة الأوراق البحثية على سلطة النصوص الدينية، وبدا الاعتماد على الآلات وميكنة الصناعة والاقتصاد يشير إلى الفلسفات المادية، وصار التعليم يولد شكوكا دينية، وفقدت الأكواد الأخلاقية الغيبية شيئا فشيئا، وبدأ الكود الأخلاقي الزراعي يحتضر.
كيف يمكن إذا أن يكون مصير الأخلاق في اللحظة الآنية عبر عالمنا المعاصر، حيث ثورة الذكاء الاصطناعي والروبوتات والعقول الإلكترونية جاوزت المدى؟
لا يمكن تقديم جواب من غير التوقف أمام عجلة الحروب التي تدور مؤخرا ومن جديد بأشكال متباينة، حروب اقتصادية، حروب ثقافية، حروب إيكولوجية، وصولا إلى الحروب العسكرية، والتي باتت اليوم سيفا مسلطا على رقاب البشرية. 
في السياق التاريخي لمنتصف القرن الماضي وبعد حربين عالميتين، نجد مقاربة شديدة مع ما جرت به المقادير في زمن سقراط (399 قبل الميلاد)، وفي زمن أغسطس قيصر (14 ميلادية)، فقد أضيفت الحروب للأسباب التي أدت إلى التراخي الأخلاقي. 
بعد نحو سبعة عقود من التفلت الأخلاقي وتحت أجنحة العولمة، تبدو الحضارة الإنسانية المعاصرة أمام مشاهد مشابهة لما حدث في زمن الامبراطورية الرومانية، حين ضاعت الأخلاق.
عند الفيلسوف الأسباني الأصل الأميركي الجنسية "جورج سنتيانا": "الذين لا يقرأون التاريخ كفيلون بأن يكرروا أخطاءه".
هل من صحوة أخلاقية قبل انهيار الحضارة الإنسانية المعاصرة؟.

كاتب مصري خبير في الشؤون الدولية

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية