العدد 6442
الخميس 04 يونيو 2026
خربشة ومغزى | القوة الصُّلبة،، وضياع القِيَم
الأحد 12 أبريل 2026

 

القوة الصُّلبة وضياع القِيَم، عنوان عميق المضمون، متباعد الأطراف، كثير التفاصيل، وتنوع التأويل، ومطامح التأثير. وفي التالي إدراك ما يلزم، وإطلالة فَهِم؛ أنَّ القوة الصُّلبة هي ما يُمَلك من مقومات جغرافية واقتصادية وتقنية وعسكرية وثقافية وبشرية وإعلامية، هكذا هي عند الباحثين في العلاقات الدولية، وهذه المقومات إذا تم فيها الأمثل عند عقلاء من يملكها تكون فاعلة، وتُحقق تأثيرها على الغير من أفراد وجماعات ودول، وتتعدى ضيق معنى إجبار وقسر.

الماضي والحاضر لتاريخ البشرية، أختزن في طياته، كيف تكون القوة الصُّلبة نافعه أوهالكة، وهل هي تُحافظ على القِيَم أو تالفة لها، وكيف تكون سافكة لدماء واستعمار بشر، أو تُقيم موازين عدل وحرية ونهوض. الأمثله في تقابل المعنى المذكور لا تُحصى في أحداث وحروب،  وهي باقية في ذاكرة الأمم، ولا زال دوران عجلتها يُعاد.

عند الحكماء، لا خير في قوة صُّلبة لا تُحاكي في صداها وأفعالها ذات الإنسان، أو  تملك تأثير وإقناع، وفيها إنقياد وإنجذاب وإتّبِاع، وتجنب فوضى وضياع، وهي عند أهل الإستبداد والغدر أهدافها تتحقق بقسر وكسر، لا بجذب وإغراء.

وبهذا هي تناقض القوة الناعمة، وذاك ما أشار اليها جوزيف ناي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفرد في مقال له الذي يحمل الأسم ذاته (Soft Power)، الذي عرفها أنها القدرة على تحقيق الأهداف المتوخاة من خلال الجذب بدلاً من القسر أو الدفع، فهي تعتمد الإغراء والجذب بدل الإكراه والقهر.

إذن القوة الصُّلبة حينما تنحى الإتجاه الظلامي تكون صورتها خشنة غير ذكية، لا فيها عهد ولا ذمة، بل والِعة في تفانين العصا بُغية اِستفراد واِبتزاز، فلا قِيَم تردعها، ولا ضمائر تحكمها. وسمة من أتبعها لم يرضع معاني إنسانية، ولم تدرّ له بيئة نشأته بها، وهنالك من يدفعه تراكم أحقاد وحسد، وغلو قومي عرقي، وثأر وَهَم ماضي نابض، وميول عبثي، واستعلاء على الآخر. ولا غرو أن تجد فيها أحيانا ميكافيلية وسائل منحازة تتغلل في فجوات متنوعة، لبلوغ تأثير وترويض شعوب، وكأنك ترى مشهد فيه زخم حرب بلا دخان، وحال تدافع أيدلوجي يتأرجح في غالب ومغلوب. ولذلك هذه القوة الصُّلبة المؤذية تستكثر رخاء الغير الذين لهم نمو وتطور، ورغد عيش وهناءة، ولا تهدأ في رؤية الآخر إلا أن يكون دون، وضياع وظلامية يُفقد فيها مقدرات واحترام.

تجاة القوة الصُّلبة لابد من حماية القِيَم وإن تم دفع الثمن، لأن القيم بمثابة بُنية تحتية يرتكز عليها الوطن وهويته، ماضيه وحاضره ومستقبله، والإنتماء للوطن وولاته وشعبه، باعث على اليقظة في تحصين الوعي من مداخل تلك القوة . ولا بدَّ من ذكائية تعاطي تجاه القوة الصُّلبة بأخذ ما ينفع وردّ ما لا ينفع بصوت حكمة وحذق، دونما استعداء أو إقصاء، وهذا أسلوب فطين لمدافعة تأثيرات عالم منفتح في إعلام رقمي هو أشبه بقرية صغيرة.

عالمنا يمتلئ تجارب وتراكم معرفي لمفهوم مقاييس القوة، وأن القوة تكمن في تعاون وتطور وحداثة أكثر من صراعات وحروب، وأن الفاعلين المؤثرين هم من يضعوا خطط واستراتيجيات وأفكار تتلاءم مع سلم وإزدهار. ومن هو في القرن الحادي والعشرين عليه تعظيم قوتة في موارد ناجحة فيها إبتكار وتجديد تتظافر مع مصالح بشرية، وهذا ما أكده جوزيف ناي (الأبن) في كتابه مستقبل القوة.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية