العدد 6444
السبت 06 يونيو 2026
دبلوماسية استشرافية
الأحد 23 نوفمبر 2025

دعونا نتخيل لو أنه جرى إشراك الدراسات المستقبلية في رسم السياسات الخارجية للدول، والجمع بين التعاون الرسمي بين الحكومات وآليات تخطيط السيناريوهات واستشراف المستقبل.

حتماً حينها ستدعم جهود التعاون العالمي لمواجهة التحديات بشكل استباقي، وذلك من خلال دمج السيناريوهات والدراسات المستقبلية في عميلة التفاوض والدبلوماسية العالمية.

ما نراه في الواقع الحالي يتطلب مواجهة التحديات العالمية، مثل تغير المناخ والطاقة المستدامة والأوبئة، كما أن اعتماد مناهج وأطر عمل متعددة الجوانب تجمع بين العلوم والسياسة الخارجية.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما بات يعرف بـ "الدبلوماسية العلمية"، وهو مفهوم يقوم على دمج الخبرات العلمية في صنع السياسات، وقد أدى إلى تغييرات هيكلية في الحكومات التي اعتمدت هذا الأسلوب.

وتعتمد الدبلوماسية العلمية الاستباقية على العلم والابتكار لترسيخ أواصر التعاون مع الجهات المؤثرة غير المملوكة للدولة "مثل شركات التكنولوجيا، والمجتمع المدني، والمنظمات الدولية"، وبذلك تتمكن الدول من تعزيز الشراكات وجذب المزيد من الاستثمارات.

ومع ذلك أظهرت الاتجاهات الجديدة التي شاهدناها مؤخرا فجوة بين العلم والسياسة الخارجية، شملت انقسامات ثقافية ومهنية بين العلماء والدبلوماسيين.

والأمر ذاته بالنسبة إلى سيناريوهات المستقبل، إذ يجب على الشبكات العلمية والتكنولوجية العالمية، التي تعمل على إيجاد حلول للتحديات المستقبلية العالمية المعقدة، أن تعمل بشكل أفضل مع المنظمات الوطنية والدولية ومتعددة الأطراف التي تسعى إلى مواجهة تحديات محلية وعالمية أيضاً.

وبالمثل، نجد أغلب أبحاث العلوم السياسية والعلاقات الدولية التي يتم إجراؤها ضمن برامج التعليم العالي والبحث العلمي، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية، تتمحور حول دراسة الماضي، وغالبا ما نتجاهل التأثير المحتمل لبحوثها في تشكيل معالم المستقبل كما تركز المشورات الأكاديمية في الدوريات العلمية الكبرى غالباً على الأدلة التجريبية بدلا من البحث عن أجوبة للتساؤلات المستقبلية المعقدة.

ومع ذلك، هناك بالفعل بعض الأمثلة على دمج السيناريوهات المستقبلية في العمل الدبلوماسي، حيث يعمل "مختبر أهداف التنمية المستدامة" على تنظيم مناقشات مع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التي تعمل على نشر الوعي حول الاتجاهات العلمية المستقبلية السائدة،  وبناء جسور التواصل والتعاون بين الجهات الفاعلة والمبتكرين، استعدادا للتحديات المتوقعة.

كما تعتمد بعض الجهات آليات تشاور لدعم صانعي القرار تشمل أطرافا متعددة وتركز على المستقبل، مثل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي.

ويعد استشراف المستقبل جزءا بالفعل من عملية التخطيط الإستراتيجي، وصناعة السياسات لدى العديد من الحكومات حول العالم، وذلك من خلال تبني ممارسات مسح الأفق للوقوف على تهديدات والفرص المستقبلية، واستكشاف المشهد المعقد للتكنلوجيا والعلوم والتنمية المستدامة.

ومن الأمثلة على ذلك جهود وزاره شؤون مجلس الوزراء، ومكتب التطوير الحكومي والمستقبل في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومكتب "بوليصي هورايزنس" في كندا، ومركز "إستراتيجيك فيوتشرز" في سنغافورة، وخدمات تكنولوجيا مسح الأفق التي يقدمها المكتب الحكومي في المملكة المتحدة، وجهود الاستراتيجي داخل المفوضية الأوروبية، وشبكة خبراء ومصممي المستقبل المنتشرين في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، والمشروع الوطني للبحوث والاستشراف التكنولوجي في جنوب إفريقيا، وأجندة الاتحاد الأفريقي (2063).

الفرصة المستقبلية 

في حين أن العديد من الحكومات تعتمد على استشراف المستقبل في عملياتها المتعلقة بالتخطيط الإستراتيجي والإدارة، فإن توسيع نطاق ممارسته ليشمل جميع الدول يمكن أن يحسن من عمليات التفاوض والتنسيق للوصول إلى رؤية مشتركة طويلة الأجل، ويمكن للدول التنسيق التعاون الاستشرافي الثنائي أو متعدد الأطراف من خلال آلية رسمية، تجمع بين الحكومات، لتقييم محركات التغيير وتخيل المستقبل.

وفي هذه الحالة ستستفيد الدول من تنوع الخبرات ومشاركة المعرفة، ومن شأن ذلك يساعد في تطوير السياسات ودفع عجلة التعاون من خلال تحديد الأهداف المشتركة المرتبطة بتحقيق النمو والازدهار، وتحسين جودة الحياة قبل أن تتفاقم حدة التحديات العالمية وهو ما تعنية كلمة دبلوماسية.

دعونا نتصور سيناريوهات المستقبل بالتعاون بين الدول حول التحديات المتنوعة، بدءاً من تغير المناخ، ووصولاً إلى تطور سلاسل التوريد العالمية، للاستعداد للتغيرات الكبرى التي لا تتوقعها الدول عند العمل بمفردها ومن هنا تعمل "الدبلوماسية الاستشرافية" على مأسسة التعاون الدولي القائم على الأدلة، ومبدأ التفكير الاستباقي، مما يوفر حلولاً مستدامة للتحديات الحالية والمستقبلية.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .