من دكاكين “أمير كوبيما” و”أكرم”
“السيكل” في البحرين.. حلم الطفولة الجميل
في زمنٍ لم تكن فيه الشاشات الإلكترونية قد استعمرت مخيلة الأطفال، ولم تكن فيه أجهزة “الآيباد” و”البلايستيشن” أقصى أماني الصغار في نهاية العام الدراسي، كان هناك حلمٌ آخَر يتربع على عرش الأمنيات في الفرجان البحرينية؛ إنه “السيكل”. لم يكن دراجةً هوائية مجردة، بل كان بطاقة عبور نحو الحرية، ورمزاً للاستقلالية، ووسيلة التباهي الأولى بين أقران الفريج، صغاراً وكباراً على حدٍّ سواء.
كانت رحلة اقتناء السيكل تبدأ من الحلم الشغوف والتخطيط الطويل؛ حيث يعقد الطفل أو الشاب اتفاقاً غير مكتوب مع والديه للنجاح والتفوق لقاء الحصول على سيكل العمر.
في قلب المنامة والمدن القديمة، كانت دكاكين بيع وتصليح السياكل تشبه المتاحف السحرية في عيون الأطفال؛ يتقدمها محل “أمير كوبيما” الشهير ومحل “أكرم” وغيرها، تلك الأسماء التي انحفرت في ذاكرة الأجيال كأنها وجهة تحقيق الأحلام. كانت هذه المحلات تعج بالزبائن والمتفرجين الذين يقفون أمام واجهاتها يمتعون أنظارهم بأحدث الطرازات، ويتأملون لمعة “الكروم” مع سيكل "الجليت" وخطوط هيكلها البراق، بينما ينشغل الشباب بضبط السلاسل و"الاعلام والاريل"، وتزويد مقاود الدراجات بالزينة والأجراس ذات الرنين المميز مع سياكل "بي ام اكس" والرياضية مع الريسس وريلي الذي كانت تصنعه الشركة الإنجليزية "ريلي للدراجات" وغيرها.
وتنوعت أنواع السياكل في البحرين قديماً لتلبي كل فئة وعمر، فكان هناك “سيكل الصغار” البسيط ذو العجلتين الإضافيتين للتعلم، ثم تتدرج الأحجام حتى يصل الشاب إلى السيكل “الهندي” القوي والشهير الذي امتاز بمقعده المريح، ومقبضه المرتفع الذي يعطي راكبه هيئة الاستعراض والشموخ وهو يطوف بأزقة الفريج. أما الكبار والرجال، فكان لهم شأن آخر مع “السيكل الإنجليزي” و"السيكل الهندي" الضخم الثقيل ذي الهيكل المتين والدواسات القوية، والذي كان يُستخدم لقطع المسافات الطويلة بين الفرجان ونقل البضائع الخفيفة، مجهزاً بحامل خلفي صلب وقفل يدوي معلق في الهيكل.
كانت السياكل تشكل عصب الحياة الاجتماعية للأطفال والشبان؛ عليها تُنظم سباقات الفرجان وتستكشف الحدود المجاورة للمحلة، وحولها يتجمع الأصدقاء لتبادل أدوار القيادة أو المساعدة في “رقع البنشر” وتلميع الهيكل. لقد كان السيكل يمثل حقبة ناصعة من بساطة العيش وجرعة فرح حقيقية، لا تضاهيها اليوم أعتى الألعاب الرقمية، متصلةً في وجدان أهل البحرين برائحة الأزقة القديمة وصدى الأجراس التي تشهد على زمن كان الحلم فيه بسيطاً وممتعاً بساطة الانطلاق مع حركة الدواسات.
- الصور من: "أرشيف بيت الشكر" و"سنوات الجريش" و"ذكريات زمان" و"ارشيف الحكم".
