نداء الروح في رحلة التوبة
ترحب “البلاد” برسائل ومساهمات القراء، وتنشر منها ما لا يتعارض مع قوانين النشر، مع الاحتفاظ بحق تنقيح الرسائل واختصارها.
يرجى توجيه الرسائل إلى البريد الإلكتروني ([email protected]) متضمنة الاسم ورقم الهاتف.

ودع العالم الإسلامي عشرة أيام مباركات والتي فيها فريضة الحج؛ الفريضة التي عظمت في مناسكها، وجلت في مظاهرها، وعمت في ثمارها، وسمت في سماحتها ويسرها، وهي الفريضة التي تضمنت من المصالح ما لا يحصيه المحصون ولا يعده العادون، تضمنت من المقاصد أسماها، ومن الحكم أعلاه، ومن المنافع أعظمها وأزكاها. فمن دروس وثمار ومقاصد الحج تدور محاورها على تصحيح الاعتقاد والتعبد، والدعوة لوحدة التوجه والكلمة والصف، والتزكية السلوكية للنفوس والقلوب والأرواح والأبدان؛ فقال الله تعالى: {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}. وهنا قد نتذكر قول ابن عباس رضي الله عنهما: “منافع الدنيا والآخرة”، فأما منافع الآخرة فرضوان الله جل وعلا، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات.
ولا ننسى أيضاً أنه من الدروس والعبر للحج نتعلم المحبة التي جعلها الله تعالى لبيته الحرام في قلوب عباده يستنفرهم البيت من كل مكان؛ فقال الله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّالنَّاسِ وَأَمْنًا}.
ومما نتعلمه من الحج هو تذكير الأمة بأن أعظم ما يجب أن يهتم به وأن نحافظ عليه وأن نغرسه في النفوس هو تحقيق التوحيد لله سبحانه، وتحقيق الغاية القصوى في الخضوع والتذلل له توجهاً وإرادة، قصداً وعملاً. ولذا فقد افتتح النبي صلى الله عليه وسلم حجته بالتوحيد كما قال جابر رضي الله عنه: {فأهل التوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك}. وهذه التلبية تتضمن معنى التوحيد الذي هو أساس الدين وقوامه، كما أنها تتضمن إجابة لله بعد إجابة بأداء الحج وإخلاصاً بهذه الفريضة وغيرها لله تعالى، والبراءة من الشرك بكل صوره وشتى أنواعه وأشكاله. فالواجب على المسلم الموحد لا يسأل ولا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يذبح ولا ينذر لغير الخالق، مستيقناً أن الخير كله بيد الله وأزمة الأمور بيده ومرجعها إليه سبحانه، أنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.
كذلك أنه يتذكر الحجاج وغيرهم بالدار الآخرة، حيث يصور الحج تصويراً عجيباً؛ فالميت ينتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة والحاج ينتقل من بلاد إلى أخرى، والميت يجرد من ثيابه والحاج يتجرد من المخيط، والميت يغسل بعد تجريده والحاج يغتسل عند ميقاته، والميت يكفن في ثياب بيضاء وكذلك هو على الحاج يلبس إزاراً ورداء أبيضين نظيفين، والأموات يحشرون سواءً وكذلك الحجاج يقفون سواءً.
وهذا كله فيض من دروس الحج؛ فالاستسلام والامتثال لأمر الله هو ما يتربى عليه الحاج في مشاعر الحج دون تكلف العلم بوجه الحكمة فيها، كالطواف والسعي وكونهما سبعاً، والابتداء بالطواف من الحجر الأسود بعد تقبيله أو استلامه أو الإشارة إليه، وبداية السعي من الصفا والانتهاء بالمروة، ورمي الجمرات بسبع حصيات، والمبيت بين مزدلفة ومنى، وخشوع القلب في يوم عرفة الحج الأكبر. كل ذلك يصنعه الحاج عبودية لله تعالى وامتثالاً لأمره واستسلاماً لشرعه. فقد جاء في قول نبينا صلى الله عليه وسلم عند كل منسك من مناسك الحج مخاطباً الصحابة وأمته: {خذوا عني مناسككم}؛ ليعلم المسلمون وليتذكروا وليستيقنوا أنه لا سعادة ولا نجاح ولا توفيق ولا سداد ولا فلاح في هذه الدنيا ولا في الآخرة إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والسير على طريقته ومنهاجه، والأخذ بهديه وسنته في الاعتقاد والأعمال وفي الحكم والتحاكم والأخلاق والسلوك.
كما أنه لا بد من أن نشيد على ما تقوم به بلاد الحرمين الشريفين من خدمات جليلة لحجاج بيت الله، حيث شهدنا هذا العام وكل الأعوام نجاحات باهرة يشهد له بذلك الحجيج كلهم، ويبرز ذلك في التنظيم الدقيق والمتابعة المستمرة بفضل من الله ثم الرعاية الكريمة من لدن خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين. فالمملكة العربية السعودية منذ تأسيسها تبذل الغالي والنفيس في خدمة الحرمين الشريفين وخدمة الحجاج والمعتمرين، بل تقوم بخدمة المسلمين عموماً بلا أدنى منّة وطلب ذكر وشكر.
وإن من النماذج الظاهرة البارزة في التفاني في خدمة الحجيج ما رأيناه من رجال الأمن البواسل كيف كانوا القلوب الرحيمة والعواطف الجياشة والحجاج والعمار والزوار، يوقرون الكبير ويرحمون الصغير ويعينون العاجز ويعاملون ضيوف الرحمن معاملة حسنة طيبة، فلله درهم وعلى الله أجرهم. ولا يمكن أن ننسى الجهود المقدمة من الجانب الصحي والوقائي من الأطباء والمسعفين والأدلاء وتهيئة المواقيت، إضافة إلى البرامج التوعوية والدعوية ودور الدعاة في إرشاد الحجاج والمعتمرين.
ولا ننسى أن نقف وقفة احترام وتقدير لبعثة مملكة البحرين للحج على دورها البارز في تسهيل خدمات حملات الحج وخدمة ضيوف الرحمن، والثناء على الجهود المخلصة التي قامت بها في مختلف القطاعات المشاركة ضمن البعثة برئاسة فضيلة الشيخ عدنان القطان، والدور الفاعل الذي قامت به اللجنة الأمنية من وزارة الداخلية، واللجنة الطبية من وزارة الصحة، وفرق الكشافة من وزارة التربية والتعليم، وسائر اللجان التنظيمية والخدمية، وما قدموه من منظومة متكاملة ومتابعة الحجاج المستمرة للحجاج طوال فترة وجودهم في الأراضي المقدسة.
ونسأل الله أن يتقبل من الحجاج حجهم وصالح الأعمال والأقوال، وأن يبلغنا هذه المواسم المباركة أعواماً عديدة وأزمنة مديدة.
عبداللطيف نجيب
متطوع بدار يوكو لرعاية الوالدين
