العدد 6344
الخميس 26 فبراير 2026
الذكاء الاصطناعي.. “الكهرباء الجديدة” التي تعيد تشكيل مفاهيم القوة والتنمية
الخميس 26 فبراير 2026

جسّد وصف أندرو أونغ للذكاء الاصطناعي بالـ “الكهرباء الجديدة” ماهية التحول الجذري الذي أحدثته هذه التقنية، محاكيةً في أثرها الثورات الطاقوية الأولى، إذ تجاوز هذا التوصيف سياقه النظري ليستقر كواقع ملموس تهتدي به القطاعات الاقتصادية والتنموية المختلفة. ويظهر عمق هذا الأمر في التسارع الذي يشهده حجم الاستثمارات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي استقرت فوق عتبة 252 مليار دولار بنهاية عام 2024م، ما يؤكد المكانة الكبرى التي بات يشغلها الذكاء الاصطناعي كمحرك أساس للنمو الاقتصادي، وعنصر جوهري في إعادة صياغة مفاهيم القوة والتنمية والتنافسية ضمن منظومة الاقتصاد العالمي المعاصر.

وفي هذا السياق، تتباين مقاربات القوى الكبرى في التعاطي معه، بما يعكس تمايز أولوياتها الاقتصادية والتنظيمية والدولية؛ إذ تركز الولايات المتحدة على ترسيخ ريادتها عبر الاستثمار المكثّف في البحث والتطوير، وتوسيع البنية التحتية الحاسوبية، ودمج الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والأمنية الحيوية؛ بينما تعتمد الصين نموذجًا يقوم على الدمج المنهجي بين الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، والتطبيقات الصناعية واسعة النطاق؛ في حين يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تكريس موقعه كفاعل معياري مرجعي، يوازن بين تحفيز الابتكار وصون الخصوصية والحقوق الرقمية. 

وفي مقابل النماذج الدولية، يبرز الخليج العربي كفضاء استثماري صاعد في الذكاء الاصطناعي، مدشّنًا عقدًا غير مسبوق من الإنفاق، المتوقع أن يتجاوز عتبة 3 تريليونات دولار في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية؛ حيث يستفيد هذا التوجه من سرعة نشر الحلول الطاقوية والشبكية على نطاق واسع، ما يشكّل ركيزة حاسمة في سباق عالمي تتسارع فيه الاستثمارات بدرجة لافتة.

تتجسد هذه التوجهات لدى الدول بشكل أكثر تفصيلًا عند تحليل التوزيع القطاعي للاستثمارات؛ إذ تستقطب مجالات بعينها الحصة الأوسع من التدفقات، تتقدّمها الرعاية الصحية والتكنولوجيا الطبية، تليها إدارة البيانات والحوسبة السحابية، ثم التكنولوجيا المالية، في انعكاسٍ واضح لأولويات تميل نحو الحلول ذات الجدوى الاقتصادية المرتفعة، والأثر المباشر في تعزيز كفاءة المنظومات الخدمية.

مع ما يحققه هذا المسار من تعزيز لكفاءة الأداء داخل القطاعات الإنتاجية، إلا أن هذه المكتسبات تلازمها بالضرورة تحديات بنيوية متنامية، أبرزها تلك المتعلقة بإدارة الفضاء المعلوماتي، لاسيما في ظل طفرة المحتوى التوليدي وتقنيات التزييف العميق، ما يضع مسألة “موثوقية البيانات” في صدارة الأولويات الأمنية والتقنية للبيئة الرقمية المعاصرة.

ولا تتوقف التحديات عند حدود الأمن المعلوماتي، بل تمتد لتشمل بنية الاقتصاد الكلي عبر عملية إعادة تشكيل جذري لسوق العمل العالمي؛ إذ تفرض الأتمتة انحسارًا تدريجيًّا للنماذج الوظيفية التقليدية مقابل بزوغ أنماط مهنية مبتكرة، وهو ما يضع الحكومات أمام تحدٍ استراتيجي يستوجب مواءمة المنظومات التعليمية مع الاحتياجات الناشئة، بالتوازي مع تكريس “العدالة المعرفية” لضمان التوزيع العادل لمكتسبات التحول التقني.

في ضوء تعقيدات المشهد الرقمي الراهن، تتعاظم الحاجة إلى تطوير أطر تقنية وتنظيمية فاعلة، بحيث تدمج بين أنظمة التحقق الفوري وترسيخ الوعي الرقمي المؤسسي، بما يوازن بين حرية تدفّق المعلومات وحماية المجال العام، ويمهّد لإرساء منظومة حوكمة عالمية أكثر انسجامًا، قادرة على تضييق فجوات الخلاف حول السيادة الرقمية، وتحديد الأطر الناظمة لمسؤوليات الفاعلين التقنيين عابري الحدود، بما يدعم استقرار الاقتصاد الرقمي واستدامة مسارات نموّه.

ختامًا، يتقدّم الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد التحولات البنيوية التي ستسهم في تشكيل ملامح “القرن الرقمي”، إذ تتحدد فرص الريادة فيه بمدى قدرة الدول على تنسيق استثماراتها العامة والخاصة ضمن أطر تنظيمية رشيدة تضمن توجيه الاستخدامات التقنية نحو مسارات مسؤولة. وفي هذا السياق، تكتسب هذه “الكهرباء الجديدة” قيمتها الحقيقية عندما تُسخَّر بوصفها أداة داعمة للتنمية المستدامة، ومحفّزًا للتكامل الاقتصادي، ومسارًا لتعزيز التقدّم الحضاري المشترك.

* باحث مساعد في إدارة الدراسات والبحوث بمركز “دراسات”

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .