لا أعتقد أنها ستنسى تفاصيل ذلك اليوم، عندما طُلب منها إحضار كفن خالتها المتوفية، فدخلت المغتسل، لتُصدم برؤية (خالتها) ممددة عارية تماماً، وحيدة لا أحد معها! كيف تُترك المتوفية بهذه الوضعية دون أن تُستر عورتها؟ كيف يُسمح لأي كان بالدخول في تلك الغرفة التي لا حجاب لها ولا ستارة - على الأقل - تستر المتوفين وتحفظ لهم حُرمتهم؟ كيف يكون المُغتسل ومصطبة التغسيل مباشرة أمام الباب الخارجي للمغتسل؟ بناء حاجز ما بين الباب وبين مصطبة التغسيل لن يُكلف شيئاً، ولكنه سيحفظ كرامة الميت وحُرمته.. ومنع دخول أي كان للمغتسل أمر في غاية الخطورة والحساسية؛ تؤكده حادثة لشجار وخلاف حاد قام عندما فوجئت ابنة متوفية بدخول – عدوة والدتها - للمغتسل، بهدف الشماتة بها!
ولأننا لسنا مُخلدين في الأرض، ولأن كُل من عليها فان، فإن عملية تدريب صف جديد من مغسلي الموتى والمغسلات، أمر في غاية الأهمية. وعملية احتكار البعض هذه المهنة، وعدم الرغبة في تدريب أو مشاركة من يجد فيه الرغبة في تغسيل الموتى، أمر مضحك مبك! أيعتقد هؤلاء أنهم لن يموتوا كغيرهم؟ وإن ماتوا ولم يدربوا غيرهم فمن سيغسلهم؟ أيعقل أن بعض العوائل تحتكر هذه المهنة في بعض القرى، وتمتنع عن تدريب أي شخص خارج تلك العائلة! وإن سمحوا للبعض بالمشاركة في عملية التغسيل، اقتصرت العملية على المساعدة في تقديم المواد للمغسلة الأساسية، دون المشاركة الفعلية في عملية التغسيل!
ملف مغتسلات الموتى، شائك ومتشعب، لا ننكر مدى كآبته، ربما أخاف البعض، وفتح جراحاً كانت غير مرئية للبعض، وصدمت البعض الآخر! إلا أنها معروفة عند الجهات ذات العلاقة التي وصلتها شكاوى من هنا وهناك، ممن لم تسمح لهم ضمائرهم السكوت عن تجاوزات هي عند الله عظيمة. لن أقول سنغلق الملف – رغم أنه المقال الأخير في هذه السلسلة - لأن الملف سيبقى على الدوام مفتوحاً، طالما كانت هناك تجاوزات، وطالما كان هناك تقصير، وطالما كان هناك مجال للتطوير، وسنطرح ما استدعي طرحه لتعديل كل اعوجاج وإن كان في المقابر.
ياسمينة: ولكم طولة العمر، ورحم الله أمواتكم.