لم أتخيل يومًا أن أسجد لله بعد كل صلاة أدعوه أن يرزقني بمغسلة تخاف الله فيّ بعد وفاتي! أن تحفظ لي حرمتي، وترفق بي، ولا تعاملني معاملة لو كنت حية قادرة على أن أدافع بها عن نفسي لما تجرأت وتطاولت فيها علي! فالميت وإن كانت روحه قد فارقت جسده، إلا أنها تبقى تلازمه حتى قبره، وإن فقد الميت حواسه، يبقى معه سمعه كآخر حاسة يفقدها، وإلا لماذا يُلقن الميت بعد دفنه في قبره؟
مرعب أن تعلم أن هناك من يعامل جثامين الموتى بقسوة خلال تغسيلهم وتكفينهم استعدادًا لدفنهم، فالبعض – لا أعمم – يعامل تلك الجثامين بلا احترام، ولا أبالغ إن قلت إن بعضهم لا يكترث إن اصطدم رأس الميت بقوة على سطح مصطبة التغسيل “الرخامية”، أو قام بسحب أيديهم بشدة أو قلبهم بقسوة! وأعلم كما تعلم الأوقاف الجعفرية أن هناك من تقدم فعليًّا ببلاغات حول تلك السلوكيات التي تحدث داخل تلك المغتسلات، والتي لا تتناسب مع أخلاقيات مهنة تغسيل الموتى التي يجب أن تكون لها حرمتها لتعاملهم مع أهل لا إله إلا الله. وليس من الأدب مع الأموات أن يتبادل المغسلون أحاديث الدنيا وهم يقلبون الميت يمنة ويسرة! فبدلًا من أن يُذكر اسم الله عليه، ويُتلى عليه ما تيسر من القرآن الكريم يسأل فلان مساعده: أين ستسافر خلال الإجازة؟ أو تسأل فلانة زميلتها المغسلة عن غدائها ذاك اليوم!
أيتصور أي منا أن تحدث مشاجرات و”هواش” داخل المغتسلات، والميت مسجى على مصطبته ينتظر من يغسله؟ أمثل هذه السلوكيات يمكن تجاوزها؟ هل هذا مكان مناسب لتصفية الحسابات؟
تغسيل الموتى، مهنة كغيرها من المهن لابد أن تتوافر فيها مواصفات معينة لمن يمتهنها، وأولها الورع ومخافة الله، والأمانة في حفظ كرامة الميت وحرمة خصوصيته، وأسرار الموتى إن صح لنا التعبير. فليس من الأمانة أن تبوح مغسلة بنوع المرض الذي أدى إلى وفاة إحداهن، وهي التي عاشت طوال عمرها تخفي ماهيته! فاتقوا الله يا مغسلين.
ياسمينة: اللهم ارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض.