العدد 6237
الثلاثاء 11 نوفمبر 2025
افقــأوا عيـن الفقاعــات
الثلاثاء 11 نوفمبر 2025

معظمنا يتذكر في طفولته لعبة فقاعات الصابون، أداة بسيطة عبارة عن عود صغير في طرفه دائرة مجوّفة، يغمسها الطفل داخل علبة صغيرة من الصابون ثم ينفخ في الدائرة ليرسم في الهواء الطلق عددًا متناثرًا ومتكاثرًا من الفقاعات التي سرعان ما تختفي مع أقل نسمة هواء. 
ليتنا نتعلم من هؤلاء الصغار، كيف نتأقلم مع هذه الدوائر الخادعة، التي تعطي شكلاً فنيًّا وهي تتصاعد في السماء تحت تأثير ألوان قوس قزح، وهي تتشكل بعدة قوالب لتنتج مشهدًا عبارة عن لوحة عشوائية، يفسرها المتلقي بحسب الرؤية التي يراها.  
ليتنا نتعلم من هؤلاء الصغار، أن هذه الدوائر التي تتطاير في الهواء، ما هي إلا أدوات للتسلية، يصنعونها بأنفسهم، ثم لا يكون لها أثر يذكر، تمامًا كما أرادوا لوظيفتها أن تكون، يفرحون بلحظة الفقاعة بإرادتهم، بحيث لا يؤذي مسارها أحدا، ولا يجرح وجودها مشاعر أحد، ثم تذهب مع الريح. 
وربطًا بما جاء أعلاه، أثناء حضور مسرحية “صفر بالمئة” لمسرح الصواري، ضمن مهرجان البحرين المسرحي الرابع، لفتت نظري كثافة النص والموضوع، والذي تناول ظاهرة المنصات الرقمية، والتداعيات التي تبعث بها الخوارزميات في توجيه الجمهور المتلقي لهذه المساحات الرقمية، بخيرها وشرها، وهي بالمناسبة، بيئة خصبة ومنبع لنشر الفقاعات في الفضاءات الواسعة لهذا التيار الرقمي اللامتناهي، نكبح جماحه حينًا، ويتلقفنا بقوة اختراقاته الإلكترونية حينًا.

جميع الأشكال والوظائف والأفكار التي يتبناها أولئك النفر من المشتغلين والمنشغلين في هذا الفضاء التكنولوجي، تجدها بين يديك، وكلٌّ يروّج لبضاعته بالطريقة التي يجذب بها المتابعين. وفي موازاة ذلك، أصبحت الشائعة، والخبر الكاذب، والتهويل المبالغ فيه، والإساءة إلى الآخرين، من أسهل الأمور التي تصادفها وأنت تمرر النظر على هذه المنصات.
ماذا تجني أيها المتخفي خلف الستار، وأنت تحاول تمرير أجندتك السوداوية لهذا العالم، سواء في بقعة صغيرة أو كبيرة منه، ما الفائدة من فقاعتك الصغيرة التي لا تساوي حتى “عطسة في ماء آسن”، إن من ينتهج الغموض خلف شاشته الصغيرة ويوجّه نقده لبعض الأشخاص، عليه أن يتسم بالشجاعة مادامت نقاطه واضحة حتى مع كونها جريئة، ولكن ما نخشاه أن تكون سهام النقد والتعليقات سلبية وتفتقر إلى الإطار النقدي، بل وتتعدى ذلك إلى الإساءة بشكل صريح للأشخاص.
لذلك نقول، افقأوا عين الفقاعات التي لا تعدو كونها سرابًا طائرًا، لا تشكّل أي تأثير على من حولها، سوى أن تبرهن لصاحبها بأنه جبان وتقطر منه رائحة النتانة بين أفراد المجتمع، افقأوا عين الفقاعات؛ لأن الأطفال الصغار علمونا أن يصنعوا منها مادة للفرح والبهجة، ولا نريد للكبار أن يصنعوا لنا منها مادة للتجريح والإساءة.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية