من أشهر الشخصيات الفرنسية المعاصرة التي تركت أثرا كبيرا على ساحتي الثقافة والتربية السيد جاك ديلور، الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية، وجاءت شهرته من طبيعة الشعار الذي كان يرفعه “الثقافة من أجل السلام والتعليم من أجل السلام”، بالنظر إلى الترابط الوثيق بين المجالين، في سياق الجهود الدولية الهادفة إلى بناء مجتمعات مسالمة متسامحة متضامنة ومستدامة، من خلال تعزيز القيم والسلوكيات التي تحارب العنف والصراعات، وترسيخ التعايش والتفاهم بين الشعوب. ذات الشعار تبنته منظمة اليونسكو، انطلاقًا من القناعة بأن الحروب تبدأ في العقول، والسلام لا ينشأ إلا إذا تم ترسيخه في العقول والوجدان.
وبهذه الروح قاد السيد ديلور اللجنة الدولية المعنية بالتربية في القرن الحادي والعشرين بتكليف من اليونسكو في العام 1996م، والتي خلصت إلى إعداد تقرير شهير (التعلم ذلك الكنز المكنون)، وخلاصته المركزة أن التعليم هو الأساس في تعليم الديمقراطية وتعزيز السلام في العالم، وهو المفتاح لمنع نشوب الحروب.. لأن التعبئة التربوية المبرمجة هي أساس تعليم الديمقراطية والتعايش والتسامح، ولذلك تبقى المهمة الرئيسة للتربية هي تنمية الإنسان وبناء شخصيته وتعزيز القيم التي تشكل الوعي بالحياة والمواطنة والعيش المشترك والعمل وممارسة الديمقراطية بأبعادها المختلفة، ضمن الغايات الجماعية الوطنية والإنسانية والروحية التي تحقق إنسانية الإنسان واستقراره، بحيث يكون التعليم جامعا لا مفرقا موحدا لا مشتتا يزود كل فرد بالقدرة على المشاركة بقناعة في مشروع البناء المجتمعي. وليس المقصود هنا تعليم هذه المبادئ في شكل مدونات تلقن تلقينا، إنما جعل المدرسة نموذجا لممارسة ديمقراطية، بما يتيح للطلبة أن يفهموا، انطلاقًا من مشكلات محددة، ماهية حقوقهم وواجباتهم وكيفية إدارة حياتهم وحريتهم بشكل رشيد، إضافة إلى بناء وتشكيل القدرة النقدية التي تسهم في بناء روح النقد المستقل في أطر تربوية وعقلانية.
وعندما ينتقل الطالب بعد ذلك إلى الحياة يكون مواطنًا، وتكون القيم والمهارات التي تعلمها في الفضاء التربوي وفي الفضاءات الثقافية مرشده الدائم على طريق شاق يتطلب التوفيق بين التمتع بممارسة الحقوق والدفاع عنها، وبين الاضطلاع بالواجبات والمسؤوليات تجاه الآخرين وتجاه المجتمع الذي ينتمي إليه.