العدد 6218
الخميس 23 أكتوبر 2025
وماذا عن ضمائرهم المستترة؟!
الخميس 23 أكتوبر 2025

تلبستني فكرة وأنا أتابع بعض ما يكتب في أعمدة الصحافة العربية، مفادها أن الذي يكتب هو (ضميرنا المستتر) إن صح التعبير، أو هو ضميرنا الغائب في بعض الأحيان، وكأن لكل واحد منا ضميره المستتر الذي يحركه وينوب عنه، ليس في الكتابة فحسب، بل حتى في حضور الحفلات و(العزائم) وتبادل الأحاديث.. فلا أحد تقريباً يكتب بنفسه تماما كما يفكر وكما يرى حقيقة، قد يفكر بـ (نفسه) نعم، ولكنه لا يكتب إلا بالضمير المستتر، وهذا الضمير قد يكون تقديره نحن أو أنت (الآخر) أو أنتم أو هم أو هي، ولكنه لا يكون هو نفسه، هو ذاته.. إلا فيما ندر من الحالات.
الصحافي الناصري لا يجد ضميره الغائب أي حرج في الدفاع عن القطرية! وكاتب العمود الماركسي يتعاطف ضميره المستتر مع الأصولية المتطرفة وقد يتحالف معها، والكاتب السلفي لا يرى ضميره المستتر مندوحة في الكشف الركيك عن جذوره الانتهازية المهتزة.. وإذا كانت السياسة فن إدارة (اللحظة) فلا عيب في أن يكون لكل واحد منا رأيه و(سياسته) ولكن للسياسة – فيما نعرف وتعلمنا - وجهان: وجه يعني الوعي والتقدم ومحاولة الإسهام في كل ما هو حضاري، ووجه يسوده التلون والاضطراب وعدم الثبات والانتهازية والكذب والضحك على الذقون.
وانطلاقًا من المعنى الأول يكون الكاتب غارقًا في السياسة فاعلًا فيها ومساهمًا، لذلك لا يمكن نفي (السياسي) في كل ما هو ثقافي، كذلك (اللحظة) مادامت تحمل بذور المستقبل والجمع بين ما هو حضاري وإنساني في السياسة وما هو مستقبلي في (اللحظة) ميزة العقول الكبيرة التي تعاني.. العقول الصادقة التي ارتبطت بأهداف الأمة وبحركة التاريخ، فاللحظة الراهنة بتعقيداتها وعنفها وتشابك خطوطها لا يفيد معها التلاعب بالألفاظ. 
فهؤلاء، بما يمتلكون من استعدادات متضاربة قابلون للتلون والانتقال في المواقف والرقص على الحبال، باسم الحاجة حينا، وبسبب ضعف في الموهبة والفكر الحر حينا، وباسم غياب الضمير أحيانا.. ولا يعني ذلك أنهم أمام خيار واحد يتلخص في المعارضة المطلقة، فالكثير من المعارضين في هذا المجال يكونون أبناء لحظتهم وراهنهم، كما أن العديد من مثقفي السلطة عبر العصور كانوا محملين ببذور المستقبل ومواقف متقدمة وصادقة. أما مشعوذو الكتابة فأعتقد أن الدنيا من دونهم ومن دون أسمائهم وأقلامهم، سوف تكون أجمل وأكثر نقاء وصدقا.


كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .