العدد 6215
الإثنين 20 أكتوبر 2025
الفرص المتاحة أمام ثقافتنا
الإثنين 20 أكتوبر 2025

 أرسل لي أحد الأصدقاء الكتاب تعقيبا على المقالة السابقة حول (الديمقراطية دفعة واحدة)، جاء فيه: “بدلا من أن نجني بعض ثمار العولمة مثل الديمقراطية والعلمنة وتعزيز قوى المجتمع المدني والمواطنة المتساوية، وتحرير المبادرة الاقتصادية وحركة رؤوس الأموال والتطوير التكنولوجي والمعرفي، بدلا من ذلك، فإننا أخذنا منها – إضافة إلى الجانب المادي - التفاهة والتسطيح الفكري والاستهلاك القاتل للإنسانية، باسم العولمة الثقافية، وكل ما يقدم لنا على أنه نظام للسوق العالمية الذي يبيع لنا أفلام العنف والجنس والمثلية على أنها ثقافة وحرية، وتكريس البطولة والخلاص الفردي باسم العولمة”.
كتبت للصديق تعقيبا على تعقيبه: “العولمة يمكن أن تكون أفقًا مهما لدخولنا العالم من بابه الواسع والاستفادة منه، كما أنها ليست خيارا، بل ضرورة، تمامًا مثلما استفاد منها الكوريون واليابانيون وغيرهم، وأن العولمة في النهاية ذات طابع إنساني وتكرس قيما إنسانية. كما أن الحوار الذي تتأسس عليه العولمة هو الإنسانية بالضرورة. كما أن فيها جوانب تتلاقى مع أهم قيمنا من ناحية الايمان بالطابع الكوني لمعظم هذه القيم التي طبعت الهوية العربية الإسلامية، لذلك فإن إحياءها وتجسيدها والتعويل عليها وتفعيل دورها في المجتمع الدولي كقيمة محركة وفاعلة يمكن أن يجعلنا فاعلين في سياق العولمة، لأن لدينا ما نقدمه للإنسانية بتاريخنا وهويتنا وقدرتنا على الحوار والإبداع، وبالتالي فإن الموقف المعادي للعولمة والمحذر من نتائجها، قد يبدو مبالغا فيه. فتمكين ثقافتنا من المشاركة بأنفس قيمها ضمن هذا العالم الجديد هو المطلوب وليس معاداة العولمة والتخويف منها، فهناك فرص متاحة لثقافتنا لكي تفهم أن محاورة الثقافات الأخرى تستدعي منها استحضار ما أسهمت به في الماضي لخدمة الإنسانية وما يمكن أن تسهم به اليوم دون الوقوع في مزالق العزلة أو الانسياق وراء التفاهات أو الممارسات المتناقضة مع ثوابتنا الاجتماعية والروحية. 
ولا شك أن ذلك يحتاج إلى مواجهة كل التعصبات في المجتمع، بما يحتم علينا إعادة الاعتبار لمؤسسات المجتمع المدني، فهي قادرة على مواجهة الفكر الشمولي والأصولي، ومحاصرة ثقافة العنف والإقصاء والانغلاق. والطريق إلى هذا كله يبقى الديمقراطية التي من دونها لن يتحقق شيء كبير، حيث تستمر ثقافة اللاحوار وتغيب ثقافة القبول بالآخر.

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية