العدد 6222
الإثنين 27 أكتوبر 2025
من الرعاية إلى الشراكة
الإثنين 27 أكتوبر 2025

الديمقراطية السياسية - على أهميتها وضرورتها - تحتاج إلى سياج من التنمية الاقتصادية والرعاية الاجتماعية التي يشعر في ظلها المواطن بالاستقرار والاطمئنان. ومن دون ذلك تصبح الديمقراطية من دون محتوى، ووجودها لا يفيد الناس كثيرًا. إلا أن دولة الرعاية - على نمط الديمقراطيات الاجتماعية في أوروبا أو على نمط الدول التي لديها موارد كافية للاستمرار في توفير الخدمات الاجتماعية لمواطنيها – بدأت تتراجع، بعد أن كانت تقيم سياساتها على التوازن بين الفاعلية الاقتصادية وتلبية الحاجات والخدمات الأساسية للناس.
وبالرغم من اختلاف الأسس الآيديولوجية بين الأنماط السياسية - الاقتصادية، فدولة الرعاية تقوم على موقف متوازن يحول دون وجود تفاوت اجتماعي كبير، يمكن أن يكون مصدرًا للصراع. ولكن ما حدث خلال العقدين الماضيين على الأقل، هو بداية تراجع دولة الرعاية، بأنماطها المختلفة، بسبب تضاعف فاتورة هذه الرعاية، وتعدد الأزمات المالية وعدم استقرار الاقتصاد العالمي، ما دفع معظم هذه الدول إلى مراجعات متكررة – إما تحت ضغوط المقرضين وشروطهم المجحفة، أو نتيجة تراجع الموارد المالية أو نتيجة فشل أنماط التنمية المتبعة، أو بسبب تغير وظائف الدولة وتحولها من مسؤوليتها عن كل شيء إلى الشراكة بينها والقطاعين الخاص والأهلي في تقاسم الأعباء. حيث بدأت الدولة بالفعل التخلي تدريجيا عن بعض أدوارها أو التخفف من مسؤوليتها التي اعتاد الناس عليها لعقود طويلة، ما أدى في الغالب إلى الإخلال بالدور الاجتماعي للدولة، بالرغم من الوعي المتزايد بالتحديات التي يمكن أن تنجم عن الاستمرار في نمط الرعاية أو التراجع عنها.

 
إن هذا التحول في الوظائف والمسؤوليات والأدوار، ليس بالأمر الهين، فهو لا يمر مرور الكرام، فقد بدأت تظهر بعض النتائج بوضوح حتى في البلدان الأوروبية، وذلك بمجرد أن بدأت الدولة ترفع يدها عما كانت تقدمه من خدمات ودعم اجتماعي، والذهاب بعيدا في اتجاه النمط الأميركي. وقد أدى ذلك في بلد مثل فرنسا على سبيل المثال، إلى تفجر الأوضاع الاجتماعية والاحتجاجات العمالية والسياسية التي أربكت ولا تزال تربك المشهد الاجتماعي السياسي، ما قد يؤدي إلى سيطرة اليمين المتطرف على الحكم قريبا. خصوصا مع تغير أسس النظام الاقتصادي الرأسمالي المهيمن عالميا بعد الأزمات المالية المتكررة والعودة إلى سياسات الحمائية الجديدة وربما إلى الاقتصاد الموجه الذي تلعب فيه الدول دورا في كبح جماح العولمة المنفلتة وما أدت إليه من كوارث اقتصادية. وللحديث صلة.

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .