العدد 6184
الجمعة 19 سبتمبر 2025
العمل العام بين التطوع والواجب!
الجمعة 19 سبتمبر 2025

يبدو أن الخلط أصبح واضحًا في العمل العام بين التطوع والوظيفة، بين الواجب والواجب مكرر، إذا أخذنا في الاعتبار أن العمل التطوعي واجب إنساني شأنه في ذلك شأن المهمات الوظيفية التي تتطلبها المسؤولية، وتفرضها مقتضيات الموقع الرسمي.

الكارثة أن بعض رؤساء الجمعيات والاتحادات التطوعية يتعاملون مع المنتمين لهذه الجهات تطوعيًا بقوانين الوظيفة، ولوائح الثواب والعقاب، والإنتاجية والاتكالية، بعض هؤلاء الرؤساء يعتقدون أن كل من ينضوي تحت مظلة تلك الاتحادات أو الجمعيات هو مرؤوس لهم، يتصرفون فيه كيفما يشاؤون، ويقيمون عليهم الحدود لو لزم الأمر، ويحولونهم للجان التحقيق لو أخطأوا أو قصروا أو تجاوزوا حد التفاهم المفروض قسرًا لا طوعًا. العمل التطوعي أيها السادة ليس وظيفة حكومية، ولا منصبًا رسميًا، ولا مكان أو مكانة في مصرف أو مصنع أو شركة كبرى، العمل التطوعي بأعضائه ومختلف المنتمين له نعمة من عند الله، لا فرض فيها من أحد على أحد، ولا عقاب على أحد من أحد أعلى وظيفيًا أو في سلم الريادة الخيرية أو الفكرية أو ريادة النخب.

الفترة القريبة الماضية شهدت العديد من التحركات لرؤساء الاتحادات التطوعية، وعلى رأسها رئيس اتحاد الكُتاب المصريين، وذلك عندما قام بتحويل أحد الأعضاء إلى التحقيق لأنه أدلى بتصريحات مساندة لبعض الزملاء الأدباء. الطامة الكبرى أن هذا المسؤول جاء بالانتخاب نزولاً إلى رغبة أعضاء الاتحاد الذين هم في الأصل والفصل والدور والطبيعة زملاء له، بل إن الاتحاد نفسه هو جسد مكون من أعضاء وكل عضو غير خاضع قانونيًا لإدارة رئيس الاتحاد بقدر خضوعه شرفيًا لهذا الرئيس.

المدهش حقًا والغريب أن رئيس الاتحاد يتعامل ويتعاطى مع الأعضاء الذين يشكلون الجسم والهيكل والكيان لهذا الاتحاد بمنطق الرئيس والمرؤوس رغم أن هذا الرئيس لم يتم تعيينه من سلطة إدارية أعلى في الدولة رغم تبعية الاتحاد شكليًا لوزارة الثقافة، ورغم تدخل الوزارة في شؤون الاتحاد نظرًا لخطورة الأدوار التي يمكن أن يلعبها في رسم الصورة الذهنية للمجتمع والدولة، بالإضافة إلى كونه يضم النخب المفكرة من مثقفين وروائيين وشعراء ونقاد.

رئيس الاتحاد رغم انتمائه للجسم الصحافي المتخصص في عالم الأدب ودنيا الإبداع تصرف في هذه الحالة تحديدًا مثلما يتصرف رؤساء الشركات مع موظفيهم، ومثلما يشرف مدراء المؤسسات والهيئات العامة على مواقع العمل التي يديرونها ويتحملون مسؤولية نتائج أعمالها، إما أمام المساهمين بالنسبة للشركات المساهمة العامة التي تلعب دورًا اقتصاديًا مهمًا وهي بطبيعة الحال تكون مسجلة في البورصة، أو أمام كبار المسؤولين عن هذا القطاع في الدولة المعنية لو كانت هذه المؤسسات تابعة مباشرة للحكومة أو القطاع الخاص “المغلق”، أي الذي يتبع نظام شركة الفرد الواحد، أو الشركة المساهمة المقفلة أو تلك التي تنتمي لفصيلة “ذات المسؤولية المحدودة”.

رئيس اتحاد الكتاب أديب وسط أدباء هم الذين منحوه أصواتهم لكي يصبح “أدبيًا” رئيسًا لهم، ولكي يدير المنظومة معهم لا أن يدير المنظومة ويديرهم معها، المسألة إذًا بسيطة وواضحة وضوح الشمس، والذي لا يرى من ثقب الغربال شأنه في ذلك شأن الذي “لا يرى ولا يسمع” والأفضل له ألا يتكلم.

العمل العام المقسوم دائمًا بين تطوعي لا يتم تقاضي أجر عنه، ووظيفي حيث يتم لقاء راتب شهري أو أسبوعي ومكافآت دورية وأجور تقاعدية تابعة لنظام التأمينات في الدولة.

رئيس الاتحاد ليس من حقه عقاب الأعضاء حيث مكانته من مكانتهم، ومكانتهم من مكانته، ولا يصح ولا يستقيم أن ينسى أي طرف نفسه ويحاول أن يفرض على الطرف الآخر قوانين وأنظمة وشخصية مؤسسات أخرى، فالأديب ليس محاسبًا في شركة محاسبة، وليس مهندسًا في شركة مقاولات، ولا عامل تراحيل يتم الاحتياج إليه كلما كان هناك نقص في العمالة المنتظمة، أو خلل في إدارة شؤونها.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية