العدد 6181
الثلاثاء 16 سبتمبر 2025
المثقفون.. وصراعاتهم البينية
الثلاثاء 16 سبتمبر 2025

في خضم التداول لأزمات المثقفين العرب، وفي ظل التهميش “المتعمد” لأدوارهم وتسطيحها، شهدت القاهرة انفجارًا مدوّيًا في اتحاد الكتاب، ذلك الاتحاد الذي تأسس في مصر العربية لكي يظلل المثقفين في زمن لا ظل لهم فيه ولا ظلال تؤويهم، ولا راعي شرعي لأعمالهم إلا ما تجود به المصادفات الذهبية، فلا حبل سري يصلهم بماضيهم العريق، ولا مرآة تقودهم إلى مستقبلهم المجهول.

اتحاد الكتاب المصريين تم تأسيسه لكي يكون بردًا وسلامًا على أعضائه، سندًا ووئامًا بين هؤلاء الأعضاء، لا فضل لرئيس فيه على مرؤوس، ولا لمتسلط على كاتب بسيط، الطبقية الثقافية التي كانت قد تفشت خلال عقدي الستينيات والسبعينيات جاء اتحاد الكتاب ليقضي عليها، ليقاومها ويقومها، ربما ينجح في انتشال الجثث الطافية على سطح الحياة الأدبية، ربما تعود إليها الحياة وربما ينقذ منها ما فشلت في إنقاذه أطواق النجاة.

الأزمة تفجرت عندما قام الاتحاد “المُبجل” بتحويل الأديبة والشاعرة المصرية المبدعة هبة عبدالوهاب إلى التحقيق، لا لشيء سوى أنها احتجت بصوت مرتفع على إعادة انتخاب رئيس اتحاد الكتاب لولاية أخرى لمجلس الإدارة. السيدة هبة ترى في تداول السلطة جزءا من رسالة المثقفين على الأرض، فالديمقراطية الفكرية والتحرر الوطني يفرضان على اتحاد الكتاب، كونه يضم “كريمة” المثقفين، التحلي بسماحة النفس وصفاء القلب ونقاء السريرة، لا أن يُدار الاتحاد بسياسة تكميم الأفواه، ولا أن يتحول كل من يخرج عن السياق إلى العزل من هذا الكيان الثقافي المهم.

اتحاد الكتاب أطلقت عليه التسمية تيمنًا بأعضائه المحترمين، وهو يكسب أهميته من المنتمين إليه، يتمتع بالاستقلالية التي تمنحه حرية الحركة بعيدًا عن أجهزة الدولة الرسمية، ذلك رغم تبعيته الإشرافية لوزارة الثقافة في مصر، أعضاؤه ليسوا موظفين يتم عقابهم لو أخطأوا، وكيانه ليس خاضعًا للحساب والثواب عند الإجادة أو الإخفاق، أو عند الفشل أو التوفيق، هو ما يعني أن رئيس الاتحاد ليس مديرًا عامًا لشركة تجارية، ولا رئيسًا لمجلس إدارة بنك أو مصنع أو هيئة عامة أو خاصة، هو رئيس منتخب.. صحيح، لكنه منتخب من أعضائه بكامل حريتهم وقناعتهم وعن طريق الاقتراع الحر المباشر، لذا فإن الرئيس وفقًا للعرف لا يمتلك صلاحية الخصم من “البدل”، ولا الطرد من “الجنة”، ولا التهديد أو التلويح أو الإحالة للتحقيق.

للأسف الشديد هذا كله قد حدث للأديبة الزميلة هبة عبدالوهاب لا لشيء إلا لأنها عبرت عن رأيها، ولا لشيء إلا لأنها ليست مقتنعة بإعادة انتخابه حسب علمي من بعيد، وحسب ما يتواتر من أخبار أو معلومات.

هذا الملف يعيدنا إلى الصندوق الأسود المفتوح دائمًا لأحوال الثقافة والمثقفين، والملف ذاته هو الذي دفعني شخصيًّا للكتابة عن حالة هبة وعلاء أو عن تحقيق “الاتحاد” مع أحد أعضائه، أو عن الشاكين على الجسم الأدبي الذي يتكون منه هذا الاتحاد المصري العريق.

المثقفون في عالمنا العربي لا حول لهم ولا قوة، حتى المؤسسات التي تساندهم تعاديهم، والتي تجمعهم تعاقبهم، والجمعيات والاتحادات التي ترعاهم تناصبهم التهديد والوعيد.

أوضاع مقلوبة، تلك التي نحن بصدد الاستنجاد بها، رغم أننا اليوم نأتي لكي نشكوها إلى أنفسنا، ونقدمها للمحاكمة الشعبية حيث لا قانون يعاقب، ولا لوائح تحكم، ولا أعراف تُحترم.

 

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .